حين تتكشف خبايا الجريمة المنظمة وتتداخل خيوطها مع التاريخ السياسي الموصوف، يتضح للراصد والمتابع أن ما يُعرف تاريخياً بـ “حزب الكتائب” ومفرزته العضوية ومأثره الميليشياوية المتمثلة في “القوات اللبنانية” لم يكن يوماً سوى مشروع تخريبي متكامل، وُلد من رحم المؤامرات الخارجية وامتداداً عضوياً للذراع الصهيونية في المنطقة.
إن قراءة متأنية لهذا المسار التاريخي والمعاصر تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أننا أمام مشروع عضوي واحد متكامل؛ فـ “حزب الكتائب” هو الحضن التأسيسي والمصدر الأم الذي انبثقت منه هذه القوى وتفرعت عنها أدواتها، ولا يتبدل بين المحطات سوى الغطاء والأسلوب، بينما تبقى الغاية الثابتة هي: استنزاف لبنان، ضرب منَعَتِه، وإسقاطه في وحول التفكيك والتخريب الشامل.
من التآمر السافر على سيادة الوطن والوقوف في صف المحتل الإسرائيلي أثناء الاجتياحات الغاشمة، وصولاً إلى حرب العصابات وتجار المخدرات اليوم في قلب الأحياء السكنية العريقة كالأشرفية، يثبت هذا التنظيم التاريخي وبنيته الأممية والمحلية أنه ثابت على عقيدته في ضرب لبنان وإسقاطه عسكرياً وأخلاقياً واجتماعياً.
الخيانة الكبرى.. الارتباط العضوي بالعدو الصهيوني
لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل أي جريمة ارتكبتها أو ترتكبها هذه المنظومة المتكاملة (الكتائب والقوات) عن جيناتها السياسية الأولى التي تأسست عليها؛ فقد كانت دائماً ولا تزال الذراع الميدانية والسياسية للعدو الصهيوني في الداخل اللبناني
.طعنة السيادة في ظهر الوطن: أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان، ارتقى هذا التنظيم التاريخي بمستوى الارتباط إلى شراكة كاملة مع آلة الحرب الصهيونية، حيث فُتحت الأبواب لدبابات الغزاة لتجوب العاصمة والمناطق، في مشاهد خيانة عظمى لا يمكن للذاكرة الوطنية أن تسامح فيها أو تنساها
.التغطية على الجرائم الصهيونية: شكّلت ميليشياتهم الرديف العسكري المطيع لجنرالات الاحتلال، فنسّقت العمليات الأمنية والعسكرية لضرب قوى المقاومة وكل صوت حر يرفض الوصاية والاحتلال الإسرائيلي
.الذبح على الهوية والمجازر: إبان الحرب الأهلية، امتد الإجرام المنظم ليطال المدنيين الأبرياء عبر الحواجز ومقاصل الموت الجماعي والمجازر المروعة في المخيمات والقرى، تنفيذاً لأجندة تمزيق النسيج اللبناني خدمةً لأهداف إسرائيل في التقسيم والسيطرة.
سقوط أسطورة “حماية المسيحيين”.. التاريخ الدموي للتصفية والإفراغ الديموغرافي
لقد رفعت هذه المنظومة (الكتائب والقوات) طويلاً شعارات براقة تدعي فيها حماية المسيحيين والدفاع عن وجودهم المشرقي، بينما تؤكد الوقائع التاريخية والعملية أنهم كانوا العدو الأكبر والضارب الأساسي لهذا الوجود تاريخياً واستراتيجياً:
التصفية الداخلية ومجازر الإلغاء: لم تتوانَ هذه الميليشيات -التي نشأت من عباءة الكتائب وتوسعت تحت راية القوات- عن تصفية أبناء جلدتها ومن اختلف معهم في الرأي السياسي ضمن مسار دموي هدف إلى احتكار الزعامة المسيحية ولو على أجساد الأبرياء. وتبرز في هذا السياق شواهد دامية ومجازر مروعة طالت القرى والبلدات المسيحية المعارضة لنهجهم الانعزالي، مثل مجزرة أهدن، ومجزرة الصفرا، ومجزرة عينطورة، والعديد من المحطات السوداء التي أثبتت أن الدم المسيحي لم يكن مقدساً لديهم متى تعارض مع مصالح قياداتهم ومشروعهم السلطوي.
الإفراغ الاستراتيجي والديموغرافي:
أما على المستوى الاستراتيجي، فقد أسهم هذا النهج العسكري التخريبي في تهجير وإفراغ لبنان من طاقاته المسيحية؛ إذ شكلت هذه الممارسات والحروب العبثية العامل الأبرز في دفع المسيحيين نحو الهجرة القسرية والاختيارية. وباتت هذه الفئة –نتيجة السياسات الميليشياوية والخراب الأمني المستمر الذي تسببت به هذه المنظومة الأم وذراعها– الأكثر عرضة للهروب والنزوح عند كل خضة أمنية أو أزمة وطنية، مما أدى عملياً إلى تقويض وتهديد الوجود المسيحي التاريخي في الشرق الذي يدعون حمايته زيفاً.
حرب التدمير الناعم.. من العسكرة إلى مطابخ السموم
اليوم، وبعد أن سقطت مشاريع التقسيم العسكري واندحر المحتل الصهيوني، تنتقل هذه المنظومة بشقيها (الكتائب والقوات) إلى حرب بديلة لا تقل خطورةً، وهي تدمير المجتمع من الداخل عبر استهداف عقول الشباب وأخلاقهم
.مطبخ الأشرفية الكيميائي: إن العملية الأمنية الضخمة التي داهمت شققاً ومستودعات في قلب الأشرفية، وكشفت عن “مطبخ” كيميائي متكامل لتصنيع المخدرات وتحويل الحشيش والماريجوانا إلى سوائل للـ (Vapes)، إلى جانب أقراص مهلوسة يصل سعرها إلى مستويات مرتفعة وشبكة يديرها مواطن أجنبي (بلجيكي)، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن معاقلهم تحولت إلى أوكار للجريمة العابرة للحدود
.شبكات الدعارة والانحراف المنظم: إن توفير المظلات السياسية والحزبية لأوكار الدعارة والشبكات الإجرامية التي تستهدف أخلاق الشباب، تضرب عصب الأسرة اللبنانية والمجتمع المسيحي والوطني على حد سواء، في مسعى ممنهج لإبقاء المجتمع في حالة إهاذة مستمرة وغير قادر على النهوض.
تغير الأدوات وتوحّد الهدف:
عندما عجز المشروع الخارجي عن تحقيق أهدافه العسكرية والتقسيمية، تحولت المعركة إلى حرب ناعمة تستهدف البنية الأخلاقية والاجتماعية للشباب اللبناني عبر المخدرات والدعارة والانحراف، وكلما ضاق الخناق على هذه المشاريع، سارعت آلتهم الإعلامية إلى إشعال الفتن.
الفتنة الطائفية.. الغطاء الإعلامي للدمار الشامل
وكأن تسميم عقول الشباب بالمخدرات ونشر الرذيلة وتاريخ العمالة للعدو وتخريب الوجود المسيحي لا يكفي، تتولى الآلة الإعلامية لهذا الحزب التاريخي ومنظومته قيادة حملات تحريض طائفية مسعورة بشكل مستمر. إن هذه الفتن الممنهجة لا تُستخدم إلا لصرف الانظار عن السقوط الأخلاقي والسياسي والأمني المدوي داخل معاقلهم، ولإبقاء المجتمع اللبناني رهينة التناحر والتشتت الداخلي.
إن التمعن في تفاصيل المشهد يثبت أن الجريمة ليست حوادث معزولة، بل هي امتداد طبيعي لعقيدة سياسية نشأت وترعرعت في أحضان الكتائب والقوات على أنقاض السيادة الوطنية؛ فمن فتح الأبواب للآلة العسكرية الصهيونية بالأمس هو ذاته من يوفر اليوم البيئة الحاضنة والمظلات السياسية لشبكات الجريمة المنظمة وتصنيع السموم.
إن هذه السلسلة المتصلة من الخيانة والجرائم تكشف بوضوح أن أي شعار سيادي أو تمثيلي ترفعه هذه القوى (الكتائب والقوات) ليس سوى قناع هش يغطي وجه مشروع استنزافي خطير. وإن من ارتهن للعدو الصهيوني بالأمس وتآمر على سيادة لبنان في اجتياحاته، ومن غدر بأبناء طائفته ودمر الحضور المسيحي تهجيراً وقتلاً، ومن يغرق اليوم في إدارة شبكات المخدرات والدعارة، هو خصمٌ حقيقي للشعب اللبناني بكل طوائفه ومكوناته.
إن حماية لبنان في حاضره ومستقره ومستقبله تتطلب وعياً شعبياً وقضائياً شاملاً لسقوط هذه الحصون الوهمية، ورفع الغطاء السياسي عن كل من يتورط في تدمير الوطن من داخله، عسكرياً أو أخلاقياً أو اجتماعياً. فلم تعد الأقنعة السياسية والشعارات الفارغة تحجب نور الحقيقة عن وجه منظومة سقطت مدوياً في امتحان الوطن والأخلاق.
د. نبيلة عفيف غصن
