تقدير موقف للمشهد الاقليمي والدولي
زياد حافظ
باحث اقتصادي سياسي والامين العام السابق للمؤتمر القومي العربي ورئيس منتدى سيف القدس

مرّت الايام ثم الاسابيع ثم الاشهر على الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة على الجمهورية الاسلامية في إيران وكافة مكّونات جبهة المقاومة لاحتلال فلسطين من قبل الكيان المؤقت. وقد شارك ذلك الكيان ومازال في ذلك العدوان وهو سبب كل الحروب في غرب آسيا وتدمير الدول والمجتمعات فيها منذ أن فرض وجوده الاستعمار الغربي على المنطقة. ومن الواضح أن العدوان يتجاوز بعض العناوين التي تطلق في وسائل الاعلام الغربية والكيان الصهيوني والاعلام العربي الخليجي المتماهي مع المشروع الاميركي الصهيوني للسيطرة على المنطقة. فالموضوع هو تصفية القضية الفلسطينية التي تقف كعائق لتحقيق كل المشاريع المشبوهة الاخرى والتي تهدف إلى السيطرة على الطاقة ونهب الثروات وإخضاع شعوب المنطقة للمشيئة الصهيواميركية. فللقضية من يدافع عنها ويستطيع ان يقلب المعادلات السابقة التي ترسخت بعد الحرب العالمية الثانية وخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة.
فأين نحن اليوم من تلك المواجهة؟ لقد أشرنا في تقارير سابقة إلى تراجع وأفول نجم الولايات المتحدة وإن كنّا نعتقد أن ذلك التراجع ينذر بالانهيار الاخير. فتشبيه سيّد المقاومة الشهيد حسن نصرالله الكيان المؤقّت ببيت العنكبوت ينطبق أيضا على الكيان المصطنع الذي هو الولايات المتحدة وذلك رغم ضخامته وإمكانياته المادية. فوهن بين العنكبوت لا يعود للخيوط الحريرية الواهنة التي ينسجها لبيته بل لطبيعة سلوكه. فألانثى هي التي تنسج وتتجامع مع الذكر ثم تقتله وأولادها هم من يقتلونها بدورهم. فلا ديمومة للعنكبوت واسرة العنكبوت. فالولايات المتحدة تُدمّر على أيدي أبنائها ومثل الرئيس الحالي دونالد ترمي خير دليل على ذلك. فهو ابن المؤسسة والنظام السياسي الذي انجبه وأوصله الي سدّة الرئاسة، وهو كأولاد العنكبوت يدمّر المؤسسات (أي العنكبوت الام) التي أنجبته. ومسار الولايات المتحدة المليء بالتنقاضات والانقسامات العامودية هو مسار الانهيار خاصة في جو التراجع الاقتصادي والمالي وذلك رغم كل الامكانيات المتوفرة والعقول المميّزة. فالخيارات والسياسات المتبعة منذ الستينات وخاصة بعد اغتيال الرئيس الاميركي جون فيتزجيرالد كندي أدّت إلى تراكم الاخطاء المميتة والتي أصبحت استعصاءَ على النخب الحاكمة في معالجتها.
الانحسار الاميركي والتخبّط في الكيان
من نتائج المواجهة مع جبهة فصائل المقاومة ومع الجمهورية الاسلامية في إيران واليمن بات واضحا أن القدرات العسكرية الاميركية والصهيونية الضخمة لم تستطع تحقيق أهداف عدوانها على مكوّنات الجبهة. البعض يكتفي بمصطلح “التراجع” والبعض الآخر بمصطلح “الافول” و”تفكيك الامبراطورية”، غير أن النتائج عن ذلك التراجع أو الافول أو تفكيك الامبراطورية قد تكون للبعض غير واضحة الملامح. لكن يمكننا تسجيل النقاط التالية:
أولا، تمّ تدمير القواعد العسكرية الاميركية في منطقة الخليج ويتم استهداف ما تبقّى من قواعد في الاردن والعراق. والنتيجة العسكرية لذلك التدمير هو عدم امكانية قطع الاسطول الاميركي في الخليج وفي المحيط الهندي على مقربة من الجزيرة العربية من التزوّد في الوقود والسلاح والمخزون الصاروخي الدفاعي والهجومي. كما أن عدم استعمال المرافئ في الخليج لإراحة الطواقم البحرية أوجدت حالة من الانهيار المعنوي وخاصة في تردّي التغذية. بمعنى آخر أن إمكانية الاستمرار في المواجهة أصبحت صعبة للغاية كي لا نقول مستحيلة. وهذا ما تنقله القيادات العسكرية الاميركية للمسؤولين السياسيين في البنتاغون والبيت الابيض الذي ما زال يعاني من حالة الانكار والمكابرة في التقبّل للوضع العسكري المتردّي.
ثايا، إن انخفاض المخزون الصاروخي الدفاعي والهجومي يجعل القوّات الاميركية مكشوفة تجاه أي هجوم ايراني أويمني وربما في مستقبل قد لا يكون بعيدا تجاه الصواريخ التابعة لفصائل المقاومة. كم أن تدمير الرادارات التي تكشف وتتنصّت على الحركة الايرانية جعلت القوّات الاميركية عمياء تجاه التحرّكات العسكرية الايرانية. بالمناسبة، هذا ما قامت به المقاومة في لبنان خلال حرب الاسناد في تعمية القدرات الاستكشافية الصهيونية في شمال فلسطين المحتلّة.
ثالثا، الخيارات العسكرية الاخرى المتاحة نظريا للولايات المتحدة هي عمليات إنزال برّية للسيطرة على مراكز الانتاج النووي وأو السيطرة على مضيق هرمز. كافة التقارير والمحاكات العسكرية الاميركية تؤكّد أن هذا الخيار محفوف بالمخاطر وخالي من ضمانات الحسم العسكري رغم القوّة النارية التي تتمتع بها الولايات المتحدة. والمناخ السياسي الداخلي الاميركي غير متاح لهذا الخيار. وبالتالي، الاخفاق بالحسم الجوّي وما سيترتب عنه من ردّ إيراني مدمّر لدول الخليج والكيان يجعل الاستمرار بالحلّ أمرا عبثيا يائسا.

لذلك نعتقد أن الانحسار المادي للوجود العسكري الاميركي في منطقة الخليج والتموضع في الاردن والكيان الصهيوني يعني الخروج من منطقة الخليج ما سيؤدّي إلى تغيير في المعادلات الاقليمية تنعكس حتى الوجود في الاردن والكيان.
رابعا، ان استمرار إغلاق مضيق هرمز والتليوح بإغلاق باب المندب له تداعيات كبيرة على قدرة الولايات المتحدة والغرب عموما بما فيه الكيان الصهيوني. والقدرة على تحمّل التداعيات الاقتصادية والسياسية فوق طاقة المحور الغربي الصهيواميركي. فالطاقة التي تخرج من الجزيرة العربية ومنطقة الخليج لا يمكن إيصالها للأسواق الاوروبية عبر أنابيب برّية تمرّ في عدد من الدول في الاقليم التي أصبحت تترنّح تحت وطأة الضيق الاقتصادي والضعف البنيوي العسكري الضروري لحماية تلك الخطوط، ناهيك عن الكلفة الباهظة لإقامة تلك الخطوط الانبوبية والفترة الزمنية التي يستلزمها بناء تلك الشبكة. كما أن الانابيب قد تفي بحاجة محدودة للنفظ وليس للغاز المسيّل ولا لليوريا ولا للكبيرت ولا لغاز الهليوم. فتلك المشاريع لم تنجز في مرحلة “القوّة الاميركية والصهيونية” والقدرة على انجازها في حال الضعف العسكري والمالي لجميع الاطراف المعنية لا يجعل تلك المشاريع قابلة للتنفيذ في المدى المنظور أو على الاقل في مدى ما تبقّى من ولاية الرئيس الاميركي. فالوقت ليس لصالح الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ومن يتحالف معهم أو يخضع لإملاءتهم. فالجمهورية الاسلامية في إيران وجبهة الفصائل المقاومة هي التي تملك الساعة وتملك الزمن.
خامسا، الخروج من منطقة الخليج قد يكون الرد العملياتي الاستراتيجي على اغتيال القائد قاسم سليماني في ولاية ترمب السابقة ويشكّل هزيمة استراتيجية سياسية كبيرة والتي لن تخلو من تداعيات سياسية في المنطقة وفي المحيط الهندي وشرق آسيا وحتى الداخل الاميركي.
سادسا، الكذب اصبح عنوان “الدبلوماسية” الاميركية ما ينسف أي إمكانية لحلّ سياسي. فعند إعداد هذا التقرير ليس في الافق ما يُشجّع على إمكانية الوصول إلى حلّ سياسي. غير أن المفارقة هي أن الحلّ العسكري لم يعد بيد الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. فهل سيشهد العالم اولّ هزيمة عسكرية في الميدان للقوّات الاميركية بسبب سوء الاداء العسكري وعدم التخطيط وعدم التحضير لمواجهة عسكرية طويلة المدى؟
سابعا، من معالم التخبّط في الادارة الاميركية الاستقالات شبه الجماعية لعدد كبير من كبار الضباط في القوّات البرّية والجوّية والبحرية لعدم موافقتهم على توجيهات وزير الدفاع (الحرب) بيتر هيغسيت. والاستقالة الاخيرة كانت لوزير شؤون القوّات البرّية دان دريسكول، المقرّب من نائب الرئيس جي دي فانس، ما يدلّ على أزمة صامتة داخل البيت الابيض. وهذه الاستقالات ليست محصورة في وزارة الدفاع بل أيضا داخل البيت الابيض ما يدّل على حال الاستياء والتخبّط في محيط الرئيس الاميركي. وعلى ما يبدو، فإن مظاهر التخبّط لن تتوقف في المدى المنظور خاصة مع تصاعد الانتقادات الداخلية في الادارة وخارجها ابرزها دعوة المؤثّر الاميركي تاكر كارلسون لعزل الرئيس الاميرك فورا وعدم الانتظار للانتخابات النصفية في شهر تشرين الثاني/نوفمبر حيث تشير استطلاعات الرأي العام اكتساح الحزب الديمقراطي لمجلس النوّاب والحصول على أكثرية وازنة في مجلس الشيوخ.
وفيما يتعلّق بالكيان الصهيوني المؤقت فيعيش حالات تخبّط ويأس أمام تعثّر الحلول العسكرية لتصفية المقاومة في فلسطين رغم العودة إلى ارتكاب مجازر الابادة الجماعية التي أصبحت تفتقد حتى الحد الادنى من التغطية والتعاطف معها في الرأي العام الغربي وخاصة الاميركي بل تواجه رفضا قاطعا شعبيا وحتى حكوميا في العديد من الدول الاوروبية التي كانت تاريخيا داعمة للكيان. والتصعيد التي تقدم عليه حكومة الكيان في الضفة الغربية وغزة والقصف العبثي على مناطق في جنوب لبنان ليست إلاّ مسارات في الهروب إلى الامام دون أي أفق سياسي ممكن إلاّ إلغاء أو تأجيل الانتخابات التي ستطيح بالحكومة القائمة وتدخل رئيسها في السجن. وما يمكن أن ينتج عن تلك الحال موجات اضطراب قد تصل إلى حرب أهلية بين المتطرّفين و”العلمانيين” الصهاينة.
من القطبية الاحادية إلى تعدد العقد الشبكية
“الطوفان” وما تلاه من مواجهات عسكرية بين مكوّنات جبهة المقاومة والتحالف الصهيوأميركي ساهم إلى حد كبير في تسريع تشكيل نظام عالمي جديد. فبعد الحرب العالمية الثانية حكمت القطبية الثنائية المكوّنة من الاتحاد السوفيتي ومعسكره والولايات المتحدة والحلف الاطلسي المشهد السياسي. وبعد انتهاء الحرب الباردة بين القطبين انفردت الولايات المتحدة في الهيمنة على العالم غير آبهة بالتغييرات التي كانت تحصل في دول عالم الجنوب وكتلة اوراسية صاعدة بقيادة روسيا والصين. المواجهات في الاقليم سرّعت تكوين عالم متعدّد العقد (nodes) وليس الاقطاب (poles) كما عهدنا في المرحلة السابقة.

والعقد ترتبط بعضها ببعض عبر علاقات شبكية ساهمت الصين في إطلاق التشبيك الفارق عبر الثورة التكنولوجية في التواصل والمواصلات والاحتساب، وعبر المباشرة بإنشاء شبكات تواصل من سكك حديدية وطرقات كانت الترجمة العصرية لطريق الحرير. والعقد لا تصل إلى حجم تسيطر فيه على سائر العقد فتهدّد الشبكة العقدية (nodal network). فاليوم الجزيرة الاوراسية التي كانت دول الغرب تطمع في السيطرة عليها عبر محاصرتها في البحار أصبحت في طريق تحقيق التكامل الاقتصادي والامني والسياسي المبني على قاعدة الدولي والندّية بين الدول واحترام سيادتها وذلك لتحقيق علاقات اربح-اربح وليس على القاعدة الصفرية التي فرضها الغرب حيث الربح هو للغرب والخسارة لباقي الدول.
فخلال اليمومين الماضيين، من 31 أب/اغسطس – حتى 2 آب، عُقدت ثلاث اجتماعات دولية كرّست ذلك الواقع الجديد. الاجتماع الاول كان اجتماع دول العشرين في الولايات المتحدة التي أُستبعدت فيها كل من اسبانيا وجنوب إفريقيا والبرازيل لأن الدولة المضيفة أي الولايات المتحدة وسياساتها الخارجية محكومة بالمحسوبية والعنجهية قرّرت ذلك. فمن ليس معها هو حتما ضدّها وخاصة تلك الدول المتوسّطة التي اعربت عن رغبة واضحة في ممارسة سيادتها واستقلالها السياسي والاقتصادي والامني خارج املاءات الولايات المتحدة. حاولت الولايات المتحدة فرض اجندتها السياسية في تجنيد الدول العشرين على إدانة الجمهورية الاسلامية في إيران والضغط عليها لفتح مضيق هرمز. فعند اعداد هذا التقرير لم تصدر أي معلومات مفادها أن الولايات المتحدة حصلت على ما تريده بل العكس هو الصحيح. فالدول المشاركة طرحت حجم الدين العام الاميركي الذي تجاوز 40 تريليون دولار والفوائد المرتفعة التي تهدّد الاستقرار المالي. فمعظم المصارف المركزية لهذه الدول مرتبطة بمنظومة الدولار وتتأثر بالواقع الاقتصادي الاميركي المهتزّ. كما طرحت كندا مسألة سياسة التعريفات العشوائية التي تفرضها الولايات المتحدة على كندا والعالم. أما اليابان فيواجهة أزمة سيولة خانقة لا تستطيع تسييل محفظتها من سندات الخزينة الاميركية التي بلغت 1،4 تريليون دولار. وكذلك الامر بالنسبة لبلاد الحرمين حيث رفضت الخزينة الاميركية تسييل محفظتها من سندات الخزينة. فهذه الامور كانت على بال المجتمعين بينما الولايات المتحدة كانت تسعى لأشياء أخرى. المهم هنا أن الولايات المتحدة لم تنجح في تمرير اجندتها وبالتالي كانت سابقة فريدة من نوعها. وفي المحصلة الاخيرة عجز الاجتماع عن اصدار بيان مشترك بسبب الخلافات الجوهرية بين الدول المشاركة ورفضهم للإملاءات الاميركية.
أما الاجتماعان الاخران فكان الاول في تركيا بين وزراء الخارجية للدول الموقّعة على اتفاق مكة الامني والثاني اجتماع قمة منظمة شنغهاي الامنية التي استضافتها قرغيستان والتي حضرها رؤوساء روسيا والصين وبلاد الحرمين والهند وتركيا ودول آسيا الوسطى. الاجتماع الاول كرّس جدّية المشاركين في بناء منظومة أمنية عربية إقليمية قد تضمّ في مستقبل قريب كل من الجمهورية الاسلامية في إيران ومصر وقد تتوسع لضم دول أخرى في الخليج وحتى ماليزيا وفقا لما تسرّب من معلومات حول ذلك الموضوع. وهذا الاتفاق الثلاثي يحظى بدعم صيني وروسي لملء الفراغ الذي يخلقه خروج الولايات المتحدة من الاقليم بسبب الهزيمة السياسية التي منيت بها في عدوانها على الجمهورية الاسلامية في إيران.
أما قمة منظمة شنغهاي التي عقدت في قرغيستان فالبيان الختامي أدان العدوان الصهيواميركي على الجمهورية الاسلامية في إيران كما أدان العقوبات الاميركية على من لن يمتثل لإملاءاتها. والمهم في هذا البيان توقيع الهند التي انقلبت على موقف سابق عبر اصطفافها في مطلع 2026 إلى جانب الكيان الصهيوني. فالحقائق الجيوسياسية وخاصة التبعية للطاقة التي تصدر من منطقة الخليج فرضت نفسها على الهند. وجاء أيضا في البيان الختامي لتلك القمة الادانة والرفض للعقوبات الاميركية الاحادية على إيران ما جعل مشروع محاصرة ايران اقتصاديا من قبل الولايات المتحدة مولودا ميّتا.
من إرث سايكس بيكو التفتيتي إلى إعادة تكوين الاقليم الموحّد
فبناء على ذلك التراجع والافول الذي يقارب الانهيار تغيّرت موازين القوّة في الاقليم ما سيؤدّي إلى تغيير جذري في التحالفات السياسية تمهيدا لتغييرات لاحقة في الخرائط السياسية والجغرافية. فحقبة سايكس بيكو انتهت ولا بديل عن إعادة تركيب المشرق العربي وسائر أقطار الوطن العربي على قاعدة مختلفة للإرث الاستعماري. فهل ستستمر الكيانات المنبثقة عن الحقبة الاستعمارية أن تستمر والتي لا إمكانيات لبقائها خارج الحمايات الغربية التي لم تعد قائمة؟ فهل النخب الحاكمة والتابعة فكريا وسياسيا ونفسيا للحقبة الاستعمارية استطاعت أن تنسج علاقات حميمة مع شعوبها لتخلق اوطانا يمكن الاعتماد عليها؟