​بعد صمت مطبق استمر لقرابة عقدين من الزمن، خرج إعلام العدو ليطوي صفحة من أكثر عمليات الاغتيال غموضاً وتعقيداً في تاريخ الصراع الخفي، ليعلن صراحة تبني “إسرائيل” لعملية اغتيال اللواء محمد سليمان في عام 2008. ليس هذا الاعتراف مجرد سرد تاريخي باهت لحادثة مرت، بل هو زلزال استخباري وسياسي يفتح الأبواب واسعة على قراءة متأنية لطبيعة الحرب الأوعر والأشرس التي دارت رحاها في كواليس الشرق الأوسط.
​من هو اللواء محمد سليمان؟ “رجل الظل” الذي أرق “تل أبيب”
​لم يكن محمد سليمان ضابطاً عادياً في المؤسسة العسكرية السورية، بل كان بمثابة “الصندوق الأسود” والمهندس الاستراتيجي الأبرز للسياسات الأمنية العليا والدقيقة في دمشق:
​المستشار الأمني الأرفع: الرجل الأقرب للرئيس السوري، وحلقة الوصل الحيوية والحرجة في إدارة الملفات الاستراتيجية المعقدة.
​مهندس المحور: كان العقل المدبر لخطوط الإمداد والتنسيق بين سوريا وحزب الله وإيران، مما جعله في رأس بنك الأهداف الإسرائيلية والأمريكية على حد سواء.
​الرجل الغامض: لُقّب برجل الظل نظراً لندرة صوره وحرصه الشديد على البقاء خارج دائرة الضوء الإعلامي، مما زاد من ضراوة الهالة الأمنية التي أحاطت به.
​مهندس الردع الاستراتيجي: الدور المركزي في تطوير ترسانة المقاومة
​تتطابق هذه المقاربة تماماً مع ما تنكشف عنه تدريجياً التقارير الاستخباراتية والتحليلات العسكرية؛ حيث يُنظر إلى اللواء سليمان باعتباره العقل المدبر والركيزة الأساسية التي هندست النقلة النوعية الكبرى في قدرات المقاومة الصاروخية، ومثّل الرقم الأهم في معادلة كسر التفوق الإسرائيلي المطلق:
​الصلة الحيوية بين عواصم الإسناد: كان سليمان حلقة الوصل المركزية التي تنسق بدقة متناهية مسارات التعاون العسكري والاستراتيجي بين سوريا وإيران والمقاومة في لبنان، متجاوزاً كل التعقيدات البيروقراطية ليكون صاحب القرار التنفيذي الأكفأ في تأمين وتسهيل خطوط الإمداد العسكري.
​نقل وتطوير التكنولوجيا الصاروخية: لم يقتصر دوره على مجرد تمرير السلاح، بل امتد ليشرف بشكل مباشر على برامج التطوير التقني، وزيادة المدى، ورفع دقة الإصابة، وتحسين القدرات التدميرية للصواريخ التي شكلت لاحقاً عصب قوة الردع للمقاومة وتغيير قواعد اللعبة العسكرية.
​إجهاض التفوق الإسرائيلي: بفضل رؤيته الميدانية والأمنية البصيرة، أدرك سليمان أن مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية تتطلب بناء ترسانة قادرة على نقل المعركة إلى عمق كيان الاحتلال، وهو ما جعل اسمه يتربع على رأس بنك الأهداف الإسرائيلية والأمريكية طويلاً.
​تشريح العملية: كابوس البحار الذي نُفذ بلا أثر
​في الأول من آب/أغسطس عام 2008، وفي مدينة طرطوس الساحلية، كان اللواء سليمان يقضي إجازة في شاليه على شاطئ البحر. لم تكن عملية اغتياله مجرد عملية عابرة، بل تحفة إجرامية في فنون الاستخبارات الإسرائيلية:
​نفذت وحدة بحرية خاصة (يُعتقد أنها وحدة “شايطيت 13” النخبوية) عملية إنزال بحري دقيقة؛ حيث تسلل عناصرها إلى مسافة قريبة جداً من الهدف، وأفرغوا رصاصات قاتلة استقرت في رأس وعنق سليمان بدقة متناهية، ليعودوا أدراجهم عبر البحر دون أن يتركوا وراءهم خيطاً واحداً أو أثراً يدل على هويتهم.
​لقد شكّلت هذه الطريقة صفعة مدوية للمنظومة الأمنية السورية في تلك الفترة، وأثبتت قدرة الذراع الطولى للاحتلال على اختراق أقصى التحصينات الأمنية بشجاعة دموية مطلقة. ولم يكن اغتياله مجرد تصفية لمسؤول أمني رفيع، بل كان محاولة استباقية يائسة لقطع الشريان الحيوي الذي كان يغذي محور المقاومة بأسباب القوة والمنعة، وإيقاف مسار تطوري متسارع كان يهدد بتغيير قواعد الصراع برمتها في المنطقة.
​لماذا الآن؟ قراءة في دلالات التوقيت وأبعاد الاعتراف الإسرائيلي
​أن تنتظر إسرائيل 18 عاماً كاملة ثم تقرر الاعتراف رسمياً بمسؤوليتها عن هذه الجريمة، فهذا ليس وليد الصدفة، بل يحمل أبعاداً استراتيجية ونفسية عميقة:
​الاستعراض النفسي وإيصال الرسائل: تسعى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى تصدير صورة التفوق المطلق وقدرتها على الوصول إلى أي هدف، بغض النظر عن مدى تحصينه أو مرور الزمن.
​العبث بالذاكرة السياسية: توقيت الاعتراف يأتي في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، حيث تحاول “إسرائيل” إعادة صياغة سردية الصراع، وتأكيد استمرارية بنك أهدافها المفتوح عبر الزمن.
​تبجح الردع: إرسال رسالة مباشرة بأن الجرائم العابرة للحدود والسنوات لا تسقط بالتقادم في العقيدة الاستخباراتية الإسرائيلية.

​الخلاصة: حرب الظلال المستمرة
​إن تبني اغتيال اللواء محمد سليمان بعد 18 عاماً يعيد تذكيرنا بأن الصراع مع العدو لا ينتهي بانتهاء المعارك العسكرية المباشرة، بل يتواصل في حرب استخباراتية صامتة وضروس. إنها حرب عقول سخر فيها القادة أرواحهم لبناء دروع الأمة، وتسيل فيها الدماء بصمت، وتبقى تفاصيلها حبيسة الأدراج المظلمة لعقود، قبل أن يقرر الجناة كشف أوراقهم طمعاً في تسجيل نقاط سياسية ونفسية في توقيتات مشبوهة.
​يبقى السؤال الأهم الذي يفرض نفسه بقوة على الطاولة: ما هي الملفات الأخرى التي تحتفظ بها “تل أبيب” في الخفاء، وتنتظر عقوداً لتكشف عنها كجزء من حربها المستمرة على المنطقة؟

د. نبيلة عفيف غصن