​تتوالى الدعاية الإعلامية الغربية والمنصات المرتبطة بها لترسيم مشهد سياسي واقتصادي جديد في سورية، محاولةً تصوير تحولات السلطة ورفع بعض العقوبات الشكلية على أنها “تذكرة عبور نحو العالم المتقدم” وعودة للرفاهية المفقودة، متخذةً من تفاصيل شكلية مثل استخدام بطاقات الائتمان الدولية في المقاهي رمزاً لـ”التحرر”. غير أن هذه التحولات تكشف عن حقيقة مغايرة تماماً؛ إذ لا تعدو هذه التطورات كونها إعادة هندسة لبنية التبعية بأدوات ناعمة تخدم مشاريع الاستعمار الجديد.
​هندسة الوهم: البلاستيك الائتماني كبديل للسيادة
​يتم تسويق الانخراط في النظام المالي العالمي وكأنه منحة مجانية تحقق الرخاء للمواطنين. لكن في جوهرها، تعني هذه الخطوة ربط الشريان الاقتصادي للبلاد بالمراكز المالية والسياسية الغربية التي طالما فرضت الحصار والتجويع. إن الاعتماد على شبكات الدفع العالمية مثل “فيزا” و”ماستركارد” لا يحرر الاقتصاد، بل يسلبه قدرته على اتخاذ القرار المستقل، ويخضع المعاملات المحلية والدولية لمراقبة دقيقة من قبل المنظومات الأمنية والاستخباراتية الغربية التي تدير هذه المؤسسات كأدوات ضغط سياسي.
​الاستثمار البديل أم تكريس للاستنزاف؟
​تغفل الخطابات الترويجية لتلك التحولات الطبيعة الحقيقية لرأس المال الأجنبي الوافد في ظل غياب الاستقرار الحقيقي والسيادة الفعلية. إن فتح الأبواب أمام ما يُسمى بـ”الاستثمارات الدولية” في بيئة تفتقر للبنية التحتية الصلبة وتحت رحمة الإملاءات الخارجية، يقود إلى تداعيات خطيرة، أبرزها:
​نهب المقدرات الوطنية: تسهيل خروج الأموال وتوظيفها في قطاعات ريعية لا تخدم قطاعات الإنتاج الحقيقي كالصناعة والزراعة.
​الوصاية المصرفية: تحويل المؤسسات المالية والمصارف المحلية إلى أدوات تابعة ومتربطة بمراكز القرار المالي في واشنطن وعواصم الهيمنة الغربية.
​هشاشة الاستقرار: رهن الأمن الاقتصادي للمجتمع بأسره لتقلبات السياسة الخارجية للدول النافذة، مما يجعل أي انفراجة مزعومة مؤقتة ومحكومة بشروط سياسية قاهرة.
​تبييض الدماء: من عصابات الإرهاب إلى “رجال الدولة” المصطنعين
​تكمن ذروة السخرية السوداء والتناقض الصارخ الذي يعري طبيعة الخطاب الإعلامي والسياسي الغربي فيما يمكن تسميته بـ”دبلوماسية التبييض”. فالمضحك المبكي حقاً هو أن هؤلاء الفاعلين الذين يُراد تصويرهم اليوم بصورة “المصلحين” و”صانعي التحول المدني” ليسوا سوى أفراد عصابات إرهابية مسلحة ارتكبت أبشع المجازر وأغرقت البلاد في بحور من الدماء والتهجير. هذا التحول السحري من الجريمة المنظمة والإرهاب الدموي إلى واجهة العمل السياسي يبرز عبر آليات مفضوحة:
​تبييض السجلات الدموية: محاولة مسح الذاكرة الجماعية وتحويل قادة الميليشيات والقتلة إلى “شخصيات انتقالية معتدلة” بقرار استخباراتي وإعلامي غربي، بجرة قلم تتجاهل أرواح الضحايا ومعاناتهم.
​الذاكرة السياسية الانتقائية: إسقاط متعمد لكل الفظائع والتاريخ الأسود من التقارير الرسمية بمجرد أن يثبت هؤلاء الأفراد طاعتهم المطلقة واستعدادهم لتنفيذ الشروط والإملاءات الخارجية، وكأن المقابر الجماعية والجرائم ضد الإنسانية تفاصيل عابرة.
​العدالة المزيفة: تسخير مفاهيم “حقوق الإنسان” و”التنمية” و”الانفتاح المالي” كأدوات لتبييض صفحة الجناة الحقيقيين، مما يثبت أن المعيار الوحيد لدى القوى المهيمنة ليس حماية الشعوب ولا استقرارها، بل مدى الخضوع لمشاريع السيطرة والتبعية.
​الوظيفة السياسية للوكلاء الجدد
​إن الظهور العلني لرموز السلطة الجديدة واستعراض التعاملات الرقمية في الأماكن العامة يعكس وظيفة مرسومة تهدف إلى شرعنة مسار تفكيك الدولة الوطنية لصالح أجندات خارجية. إن تقديم هؤلاء الفاعلين بوصفهم مصلحين يفتحون أبواب “الحداثة”، يتناقض جذرياً مع حقيقة كونهم أدوات لتمرير مشاريع تهدف إلى تدجين البيئة الإقليمية، ودمجها في منظومة الهيمنة الشاملة التي ترعاها القوى الاستعمارية الكبرى لضمان أمن مصالحها الاستراتيجية في المنطقة.
​ختاماً، إن الحرية الحقيقية والتنمية المستدامة لا تُشترى ببطاقات الائتمان، ولا تُستجدى عبر رفع جزئي للعقوبات يعيد صياغة أشكال السيطرة والاستعباد بقوالب حديثة. إن السيادة الاقتصادية والوطنية تُبنى حصراً على الإنتاج الذاتي، والاكتفاء الداخلي، ورفض الخضوع لمراكز الهيمنة العالمية، مهما تجمّلت تلك المراكز بشعارات “التحضر” و”الانفتاح المالي” أو حاولت إخفاء سجلات الدم والإرهاب وراء واجهات زائفة.

د. نبيلة عفيف غصن