وهم الهيمنة الليبرالية وعودة الواقعية السياسية: قراءة تحليلية في أطروحات جون ميرشايمير
​ نهاية الوهم وبداية الواقع
​في أعقاب انتهاء الحرب الباردة، ساد في الدوائر الغربية -ولا سيما في واشنطن- شعور طاغٍ بالتفوق المطلق والانتصار التاريخي. عُرفت تلك الحقبة الممتدة تقريباً بين عامي 1992 و2017 بـ”اللحظة أحادية القطبية”، حيث تبنت الولايات المتحدة الأمريكية مشروعاً طموحاً عُرف بـ”الهيمنة الليبرالية” (Liberal Hegemony). كان الهدف الأسمى لهذا المشروع إعادة تشكيل العالم على صورة النوذج الليبرالي الغربي، عبر نشر الديمقراطية بالقوة أو بالدبلوماسية، وتوسيع نطاق العولمة الاقتصادية والترابط التجاري، والاعتماد المتزايد على المؤسسات الدولية.
​غير أن هذا البناء النظري الرامح اصطدم مراراً وتكراراً بصخور الواقع الدولي الصلب. وفي حوار معمق ومكاشفة تحليلية صريحة جمعت بين البارز في حقل العلاقات الدولية، أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو ورائد مدرسة “الواقعية الهجومية” البروفيسور جون ميرشايمير (John Mearsheimer)، والمستضيف إيان برود (Ian Proud)، جرى تفكيك الأسس الفكرية والعملية لكتاب ميرشايمير الشهير: “الوهم العظيم: الأحلام الليبرالية والواقع الدولي” (The Great Delusion: Liberal Dreams and International Realities). يقدم هذا الحوار إضاءات حرجة تكشف أسباب سقوط المشروع الليبرالي، وعودة التنافس بين القوى الكبرى، وجموح القومية في وجه مشاريع الهندسة الاجتماعية والهيمنة العالمية.
​ سقوط الوهم: تفكيك مشروع “الهيمنة الليبرالية”
​يرى ميرشايمير أن المشروع الأمريكي للهيمنة الليبرالية لم يكن مجرد سياسة خارجية عابرة، بل كان استراتيجية كبرى قائمة على أيديولوجية واهمة تفترض أن نشر الديمقراطية الليبرالية في كل أصقاع الأرض سيضمن السلام والاستقرار العالمي. ارتكبت هذه الاستراتيجية خطأً قاتلاً في تقييم طبيعة النظام الدولي والنفسية البشرية والاجتماعية.
​لقد قامت الهيمنة الليبرالية على ثلاثة أعمدة رئيسية:
​نشر الديمقراطية: الاعتقاد بأن الأنظمة الديمقراطية لا تحارب بعضها البعض، ومن ثم يجب فرض التحول الديمقراطي على الأنظمة الشمولية والسلطوية.
​الترابط الاقتصادي والعولمة: الاعتقاد بأن تشابك المصالح الاقتصادية وتجارة حرة عابرة للحدود ستجعل حروب الكبار مكلفة ومستحيلة.
​المؤسسات الدولية: الاعتقاد بأن المنظمات الدولية قادرة على تنظيم السلوك الدولي وكبح النزاعات الجيوسياسية.
​إلا أن ميرشايمير يجادل بأن هذه الأعمدة الثلاثة انهارت تحت وطأة الحقائق الجيوسياسية؛ فمحاولات الهندسة الاجتماعية العالمية وتصدير الديمقراطية بالقوة العسكرية لم تنتج سوى الفوضى وتفتيت الدول، بينما أثبت الاقتصاد والترابط أنهما أداة صراع واستخدام للنفوذ لا وسيلة للسلام الدائم، فضلاً عن عجز المؤسسات الدولية عن منع الدول الكبرى من السعي خلف مصالحها الحيوية عندما تتعارض تلك المصالح مع القواعد المؤسسية.
​ جبروت القومية: صخرة التحطيم أمام التدخل الخارجي
​واحدة من أبرز ركائز تحليل ميرشايمير تتعلق بمكانة القومية في السياسة العالمية المعاصرة. فعلى عكس ما تنبأت به التيارات الليبرالية من أن العولمة والانتماءات العابرة للحدود ستُضعف من شأن الدول القومية والنعرات الوطنية، يذهب ميرشايمير إلى أن القومية هي الأيديولوجيا السياسية الأكثر قوة واستدامة في العالم الحديث دون منازع.
​عندما تتصادم القومية مع مشاريع الهيمنة الليبرالية أو التدخل الأجنبي، فإن الأخيرة تتحطم بلا محالة. ويمثل التاريخ الحديث سجلاً ناطقاً لهذا الاصطدام؛ فمن فيتنام تاريخياً، مروراً بـ أفغانستان والعراق، وصولاً إلى المقاربات تجاه إيران، كانت محاولات الهندسة الاجتماعية والتدخل العسكري لإعادة تشكيل المجتمعات من الخارج محكومة بالفشل الحتمي.
​السبب الجذري لهذا الفشل يكمن في أن الشعوب ترفض بطبيعتها الوصاية الخارجية والمساس بسيادتها الوطنية. إن الرغبة في تقرير المصير، والحفاظ على الهوية الثقافية والتاريخية، والدفاع عن السيادة الترابية والسياسية، تشكل “منشاراً” حقيقياً تقطّع على صخره كافة المخططات الإمبريالية والليبرالية الرامية لفرض أنماط حياة وسياسات مفروضة من الخارج.
​ عودة التنافس بين القوى الكبرى ونهاية الأحادية القطبية
​أعلنت السنوات الأخيرة من العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وبدايات العقد الثالث عن نهاية قاطعة للمرة التي سادت فيها الأحادية القطبية الأمريكية. لقد عاد العالم رسمياً إلى النظام متعدد الأقطاب (Multipolar System)، وهو النظام الكلاسيكي الذي تحكمه ديناميكيات التوازن الدقيق للقوة.

​في هذا النظام الجديد، لم تعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد المهيمن، بل وجدت نفسها في صراع جيوسياسي محتدم ومستمر مع قوى كبرى منافسة، على رأسها الصين الصاعدة اقتصادياً وعسكرياً، وروسيا الساعية لاستعادة مكانتها الإستراتيجية.
​تستند رؤية الواقعية الهجومية لميرشايمير إلى أن الدول العظمى تعمل في بيئة فوضوية تتسم بغياب سلطة مركزية عليا تحميها، مما يدفعها حتمياً إلى تعظيم قوتها النسبية لضمان أمنها القومي. وبناءً عليه، فإن محاولات واشنطن الحفاظ على هيمنتها الأحادية في عالم متعدد الأقطاب باتت عبئاً استراتيجياً ومصدراً رئيسياً لعدم الاستقرار العالمي، إذ إن القوى الأخرى لن تقبل بوضع التابع أو الخاضع للارادة الأمريكية المنفردة.
​ التطبيقات الميدانية: الأزمة الأوكرانية والملف الإيراني
​تتجلى خطورة وواقعية طرح ميرشايمير بصورة صارخة عند إسقاطه على بؤر التوتر الساخنة في السياسة الدولية المعاصرة، وأبرزها:
​1. الأزمة الأوكرانية وتداعيات توسع الناتو
​يرفض ميرشايمير التفسيرات السطحية والإعلامية المحضة للصراع في أوكرانيا، ويرجع جذوره العميقة مباشرة إلى سياسات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي نحو الشرق، وهي سياسات وليدة مباشرة لعقيدة “الهيمنة الليبرالية”. لقد اعتبرت روسيا، ومن منظور واقعي بحت يتعلق بأمنها القومي الاستراتيجي، أن تحويل أوكرانيا إلى رأس حربة عسكرية غربية على حدودها المباشرة يمثل خطاً أحمر وتهديداً وجودياً لا يمكن التسامح معه. ومن هنا، فإن السياسات الليبرالية الرامية إلى دمج أوكرانيا في المنظومة الغربية بمعزل عن التوازنات الأمنية الروسية كانت بمثابة الشرارة التي أشعلت الحرب المدمرة.
​2. مقاربة الملف الإيراني ومزالق التدخل الخارجي
​في السياق ذاته، يوجه ميرشايمير نقداً لاذعاً للمقاربات الغربية والسياسات المتبعة حيال إيران، معتبراً إياها امتداداً لسلسلة التدخلات الخاطئة في الشؤون الداخلية لدول المنطقة. إن محاولات تغيير النظم أو تقويض سيادة الدول عبر العقوبات القاسية والضغوطات العسكرية والسياسية تتجاهل الطبيعة القومية الصلبة للشعوب الإيرانية والمنطقة، وتؤدي حتماً إلى نتائج عكسية تعزز من نزعات التشدد الإقليمي وتعمق حالة عدم الاستقرار، بدلاً من جلب الديمقراطية الموعودة.
​ الليبرالية في مواجهة الهوية الوطنية: أزمة الداخل الغربي
​لا يقتصر أثر التوتر بين الليبرالية والقومية على السياسة الخارجية للدول الغربية فحسب، بل يتغلغل بعمق داخل المجتمعات الغربية ذاتها. يناقش الحوار بوضوح التوتر المحتدم بين القيم الليبرالية العالمية (التي تنادي بالحقوق الفردية المطلقة والانفتاح غير المحدود) وبين مفهوم الهوية الوطنية والقومية المحلية.
​هذا التوتر ينعكس بوضوح على قضايا مصيرية مثل:
​سياسات الهجرة المفتوحة: التي تتعارض غالباً مع رغبة قطاعات واسعة من المواطنين في الحفاظ على تجانسهم الثقافي والاجتماعي وهويتهم الوطنية.
​صعود التيارات والشخصيات الشعبوية: التي تجد سندها وشعبيتها الجارفة في ردة الفعل الشعبية ضد النخب الليبرالية الحاكمة التي يُنظر إليها على أنها تنفصل تدريجياً عن هموم ومصالح المواطن العادي لحساب أجندات عولمية مجردة.
​ دروس واقعية لعالم متقلب
​يقدم الحوار بين جون ميرشايمير وإيان برود تشخيصاً دقيقاً ومتبصراً لأزمة النظام الدولي المعاصر. إن كتاب “الوهم العظيم” وأطروحاته الموسعة لا تمثل مجرد نقد أكاديمي نظري، بل هي جرس إنذار حقيقي ينبه إلى خطورة السقوط في فخ الأيديولوجيات الطوباوية وتجاهل الحقائق الجيوسياسية الثابتة.
​إن عالم اليوم لم يعد يتحمل ترف الأحلام الليبرالية الساذجة أو محاولات الهندسة الاجتماعية الفوقية عبر الحدود. فالتاريخ، بقوانينه الصارمة، يعيد فرض قواعد الواقعية السياسية، حيث تبقى القومية القوة الأجدر بالبقاء، وتظل السيادة الوطنية حجر الزاوية الذي تتكسر عنده كل مشاريع الهيمنة الأحادية. إن فهم هذه التحولات ليس ترفاً فكرياً، بل هو مفتاح أساسي لقراءة اتجاهات المستقبل وفهم كيف تتحرك الدول وتتصارع في رقعة الشطرنج الدولية.