الجمال الفدائي في مواجهة التوحش

يتحرك المشروع الصهيو-امبريالي كآلة سحق منظمة، هدفها الأساسي تجريد الإنسان من إنسانيته وإعادة هندسة العالم بأسره وفق منطق البضاعة والتراكم الرأسمالي المتوحش. تدرك هذه المنظومة الاستعمارية، أن الشعوب التي تمتلك ثقافة حية، وعلاقات إنتاج تكافلية، وارتباطاً جمالياً وأخلاقياً ببيئتها وتاريخها، هي شعوب يستحيل تدجينها أو تحويلها إلى مجرد أرقام طيعة في سلاسل التوريد وسوق العمالة الرخيصة.
لذلك، لم تكن العمليات العسكرية وحملات الغزو عبر التاريخ مجرد وسيلة لحيازة الجغرافيا والسيطرة على خطوط التجارة ومصادر الموارد فحسب، بل كانت في جوهرها حرب إبادة شاملة وممنهجة، إبادة بالمعنى الأنطولوجي الواسع الذي يستهدف محو القيمة، وتفكيك النسيج الاجتماعي، واقتلاع كل تعبير رمزي أو مادي يعزز كرامة الإنسان وتفوقه على منطق السلعة.
لقد شهدت عيون التاريخ بوضوح فج كيف وُلِدَت الرأسمالية العالمية وهي تقطر دماً وقيحاً من جميع مسامها، كما وصفها كارل ماركس بدقة متناهية. لقد تطلب صعود المركز الغربي تدمير كل الأنماط الاقتصادية والاجتماعية السابقة التي كانت تتيح للبشر علاقة مباشرة، حرة وغير مشوهة، مع أدوات إنتاجهم ومع الطبيعة المحيطة بهم ومع ذواتهم. في تلك المجتمعات البسيطة في الجنوب العالمي، كان العمل والعيش معاً يفيضان بالشحنات الرمزية والجمالية العميقة: الفلاح يقيم صلة مقدسة مع الأرض والمواسم، والحرفي يودع في الطين والخشب والنحاس جزءاً من روحه وهويته الجمعية، وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان قائمة على طقوس التضامن واللقاء في المناسبات السعيدة والحزينة، وفي ومواسم الحصاد والأعياد وتبدل حالات الطبيعة، وكانت الأسرة روضة حميمية دافئة، كل فرد فيها له قيمة ودور، وكانت المحبة بين أفرادها بداهةً لا تعرف التكلف.
جاء رأس المال الاستعماري ليعلن الحرب على هذا التناغم الوجودي، ممارساً ما يمكن تسميته بنزع السحر القسري عن العالم، حيث جُرّدت الطقوس والعادات من روحها الحية، وأُخضعت كل قيمة استعمالية، وكل عاطفة فطرية، وكل إبداع يدوي واجتماعي لمقصلة القيمة التبادلية وسعر السوق التنافسي. الهدف، أن تتحول العلاقات الإنسانية الحميمية إلى صلات باردة تحكمها الفردانية والمنفعة وحدها، وبذلك يفقد المجتمع طاقة الخلق والانتماء والمقاومة.
اندفعت جحافل الاستعمار الأوروبي عبر القارات لتطبيق هذا المنهج التدميري بلا هوادة. في الأمريكيتين، لم تتوقف الإبادة عند قتل الملايين من السكان الأصليين بالسلاح والسم والأوبئة المصطنعة، بل امتدت لتطال فلسفتهم الكونية التي رأت في الأرض كائناً حياً مقدساً لا يقبل البيع أو الشراء، ومحت طقوسهم الاحتفالية التي تفيض بالشكر لعناصر الطبيعة. صهر الغزاة الإسبان المنحوتات الذهبية البديعة لحضارات المايا والإنكا وحولوها إلى سبائك ذهبية خرساء لتغذية خزائن البنوك الناشئة في أوروبا، ومحوا المخطوطات والرموز المعمارية ليبنوا فوق ركامها مدناً تكرس التراتبية العرقية والنهب المنظم.
في إفريقيا، مزّق الاستعمار التشكيلات الاجتماعية الحرة وحوّل القارة بأكملها إلى منجم مفتوح للبشر والمطاط والمعادن الثمينة، نُهبت تماثيل “مملكة بنين” البرونزية وأقنعة القبائل الطقسية من سياقها الديني والجمالي الحي، واغتيلت الرقصات والأهازيج التي توحد الإنسان بالكون، لتُحبس القطع خلف زجاج المتاحف الأوروبية كغنائم حرب تثبت تفوق الرجل الأبيض، بينما أُجبر السكان على العمل بالسخرة في مزارع أحادية المحصول تخدم مصانع المركز وتدمر أمنهم الغذائي وحياتهم المشتركة.
أما في آسيا، وتحديداً في شبه القارة الهندية، فقد تجلت وحشية السوق في أصفى صورها حين أصدرت شركة الهند الشرقية البريطانية أوامرها بكسر أصابع نساجي الحرير والكشمير في البنغال، وفرض ضرائب خانقة على الأنوال اليدوية لغاية تدمير صناعة النسيج التاريخية التي اشتهرت بروعتها ودقتها وخصوصيتها الجمالية، ولكي تفتح الأسواق عنوة أمام الأقمشة الرديئة المنتجة في مغازل مانشستر ولانكشاير. في أمريكا اللاتينية، جرى اقتلاع الغابات العذراء وتسميم الأنهار لتحويل ملايين الهكتارات إلى مزارع للبن والموز لحساب الشركات الاحتكارية الكبرى، التي استخدمت الانقلابات العسكرية والميليشيات العميلة لتصفية أي حركة عمالية أو فلاحية تطالب بإعادة توزيع الأرض وحماية التراث البيئي والاجتماعي للشعوب الأصلية.
ولم يتوقف هذا التوحش عند حدود المادة والجسد، بل تسلل إلى فضاء الإبداع الرمزي عبر حرب باردة ثقافية ممنهجة، أدارت فيها أجهزة الاستخبارات الإمبريالية ومؤسسات التمويل الغربية أكبر عملية تدجين وتطويع لجماليات الفنون والآداب في التاريخ الحديث. جرى تمويل المجلات الثقافية والجوائز الأدبية والمعارض التشكيلية لفرز فنّ نخبوي مفرغ من قضايا التحرر والعدالة، وتحويل الشعر من نبض جمالي ثوري إنساني إلى مجرد تمارين لغوية مغتربة تكرس العزلة والفردانية العدمية.

رُوّجت الرواية التي تتنكر للهوية الجمعية وتتبنى الرؤية الإمبريالية للعالم، وشُجعت اللوحة التجريدية التي تقطع صلتها بالواقع الحارق وتتحول إلى بضاعة للمضاربة في صالات العرض الرأسمالية. لقد سعت المنظومة الاستعمارية إلى تجريد الثقافة المضادة من أنيابها كما من جمالها أيضاً، وصناعة طبقة من المثقفين التابعين الذين يعيدون إنتاج المركزية الغربية وقيم السوق القبيحة، ويقدمونها للجمهور في غلاف من الجمال المزيف واللامع كورق القصدير البارد، في محاولة خبيثة لاغتيال قدرة الفن على فضح القبح وإشعال شرارة التمرد ضد الهيمنة.
تصل هذه الإبادة الشاملة ذروتها الفاشية المعاصرة في النموذج الاستعماري الاستيطاني الصهيوني في فلسطين ولبنان، كما في الحرب الإمبريالية على إيران واليمن والعراق الحواضن التقدمية في أميركا اللاتينية، وهو النموذج الذي يشكل التجسيد الأكثر وقاحة للمشروع الإمبريالي الغربي وقاعدته العسكرية المتقدمة في قلب منطقتنا.
في لبنان وفلسطين على وجه التحديد، يمارس الاستعمار حقداً أعمى يستهدف شواهد الوجود التاريخي كافة، ويسعى بضراوة لاغتيال الفكرة والتصور والذاكرة الحية لأصحاب الأرض، يهاجمون نسيج الحياة اليومية في أدق تفاصيلها، اجتماع العائلة، التلاحم الأسري. يمسحون بالقتل كل ما يمثله الأب والأخ والصديق والزوج، وما تمثله الابنة، والزوجة والأم والجارة.
يحرمون الأطفال من فضاءات اللعب التلقائي في الحواكير وسفوح الجبال، ويخنقون بهجة الركض الحر بين شقائق النعمان تحت تهديد البنادق وأبراج القنص، كما يغتالون طقوس المواسم الجامعة التي كانت تموج بالبشر في البراري المفتوحة على غرار أعياد الخصوبة والنيروز التاريخية، بعدما زرعوا في كل قمة جبل مستوطنة مسيجة ومعسكراً للموت يحاصر المشهد الطبيعي ويفسد عذرية الأرض. يقتلعون أشجار الزيتون المعمرة، ويغيرون المعالم الجغرافية ويمحون آثار القرى المهجرة، كما يسرقون أثواب التطريز التراثية، والأكلات الشعبية وأدوات الزراعة والصناعة والحرف القديمة، وينسبونها إلى تراثهم الزائف في محاولة لسرقة الجمال بعد سرقة الأرض، لأن كل غرزة في ثوب فلاحي، وكل حكاية متوارثة في ليالي الحصاد، وكل نقش في حجر كنعاني، يشكل وثيقة ملكية تاريخية تفضح زيف الرواية الصهيونية وتعرّي فقرها الرمزي.
يغرس هذا الاستعمار الاستيطاني قبحه في المشهد الطبيعي عبر الخرسانة المسلحة، وجدران الفصل العنصري الرمادية الكئيبة، ونقاط التفتيش التي تقطع أوصال القرى، وأبراج المراقبة العسكرية التي تحجب الأفق وتشيع مناخاً دائماً من الرعب والاضطهاد. في غزة التي شكلت أوسع حالة تضامن إنساني في أكبر سجن مفتوح، يحاولون محو كل شيء: الإنسان -القيمة، المجتمع المقاوم الخلاق، الأسرة، روابط المحبة، مظاهر الفنون والتراث والتاريخ، لسان حالهم يقول: طالما لا نملك كل هذا الجمال الإنساني فلندمره بكل قسوة.
أما في جنوب لبنان، يتكرر هذا النمط التدميري، بالاغتيال والقتل الممنهج في محاولة للقضاء على ما يمثله أبناء الجنوب من نبل وسمو وتاريخ للبطولات والتحرير. يسحقون الأسر ويدمرون مجتمعات الريف الطيب، يوغلون بفجاجة في قصف القرى الوادعة، واستهداف البيوت التراثية ذات القناطر الحجرية والحمراء، وضرب طقوس الأعراس الجنوبية التي تلتف حول حلقات الدبكة والأهازيج المتوارثة، وإحراق حقول التبغ وأشجار الزيتون بالقنابل الفسفورية لضرب مواسم القطاف التي تجسد دورة الحياة والكدح المشترك بين العائلات والقرى المتجاورة.
هذا السلوك الممنهج هو حرب شعواء على خيال الجماعة ووجدانها، ومحاولة خبيثة لإحلال مشهد الخراب والرماد محل فضاءات الألفة والبهجة، ليصبح القبح واقعاً مفروضاً بالقوة العارية وسلاح الإبادة.
إن التجسيد الأكثر فجاجة وخطورة لاغتيال الجمال في منطقتنا وفي العالم يتجلى في محاولة اغتيال فكرة المقاومة ذاتها، فالمقاومة في جوهرها أكثر من مجرد اشتباك مع العدو، وإن كان هذا الاشتباك هو أبهى صورها. المقاومة هي المعنى التأسيسي لجمالية الوجود الإنساني في أسمى حالاته. عالم مفرغ من فكرة المقاومة هو مستنقع راكد من القبح المطلق والاستسلام الذليل، عالم تتحول فيه الكينونة البشرية إلى مجرد قطع غيار تابعة لآلة رأس المال، وتنحدر فيه الحياة إلى عبودية مقننة لا كرامة فيها ولا بطولة.
المقاومة هي المنبع الذي يمنح التاريخ حرارته وشاعريته، وهي اللوحة التعبيرية الكبرى التي يمتزج فيها الحق بالشجاعة والعشق النبيل الصافي. حين يسعى العدو إلى محو مفهوم المقاومة أو تشويهه وشيطنته، فإنه يحاول تجريد الروح الإنسانية من أقدس ما تملك، القدرة على الرفض والتمرد والانتصار للكرامة في وجه الجبروت.

في مواجهة هذه الترسانة التدميرية المتوحشة، ينهض النموذج الفدائي والمقاوم بوصفه الاشتباك التناحري في أوضح صوره بين الجمال والقُبح، والنقيض الجذري لمنظومة الاستلاب الغربية وثقافة الخنوع الرأسمالي. الفدائي في جبال فلسطين وأودية جنوب لبنان لا يقاتل لمجرد الرغبة في القتال، ولا يتحرك كمرتزق في سوق الشركات الأمنية العابرة للقارات، بل ينطلق من فيض الامتلاء بالكرامة والعشق الخالص لأرضه وتاريخه وأمته. الفدائي حامل الجمال وصانعه، حارس الذاكرة والأرض، الساهر على أمن العائلات والقرى والأحياء في المخيمات والمدن. إنه مزيج من القيم السامية في أروع صورها. وعندما يحتدم الصراع تصبح بندقية الفدائي أداة لحماية الجمال والدفاع عن حق الإنسان في زراعة أرضه، وتشييد بيته، وتوريث أبنائه ذاكرة نقية غير مشوهة.
الفدائي يعيد الاعتبار للتضحية الفردية من أجل الخلاص الجمعي، كاسراً بذلك صنمية الفردانية الأنانية التي تسوقها الرأسمالية المعاصرة. إنه الصوت الثوري الذي يصرخ في وجه ترسانة الموت بأن الروح الحرة المتسلحة بالإرادة قادرة على قهر الفولاذ. لذلك يعلم العدو أن محو الفدائيين هو هدف متقدم في استراتيجية محو الجمال من حياتنا.
السياسة الاستعمارية الكامنة خلف هذه الهندسة للقبح، هي الآلية القصوى لإخضاع الشعوب وترويض إرادتها الجمعية ودفعها نحو التطبيع الحتمي مع واقع الاستعمار. الجمال الحقيقي خطر داهم على منظومة القتل والإبادة لأنه يمثل شحنة تثويرية دائمة. إنه الوعي الحي بالفارق الصارخ بين ما هو كائن من استعباد وتشوه، وما يجب أن يكون من حرية وتناغم وعدالة. حين يتم اغتيال الجمال وإبادة رموزه، يعتاد المقهورون على مشهد الخراب كقدر لا فكاك منه، ويتحول القبح المفروض إلى معيار وحيد للحياة اليومية، فتفقد الجماهير القدرة على التخيل البديل، وينكسر الدافع النفسي والفكري للتمرد.
يراهن المحتل على أن سلب الناس ذاكرتهم الجمالية هو الخطوة الحاسمة لتحويلهم من ذوات صانعة للتاريخ إلى كتل بشرية مسحوقة، تقبل الهوان كأمر واقع، وترضخ لمنطق الهيمنة باعتباره السقف الأخير للوجود، فتلجأ تعويضاً عن كل ما هو حقيقي إلى نمط الحياة القائم على الاستهلاك الشره واللهاث وراء المظاهر الزائفة. هذا النمط ليس سوى الوجه الآخر للمجازر العسكرية، كلاهما يصدر عن المركزية الغربية نفسها التي لا ترى في بقية العالم إلا أسواقاً للاستباحة ومجتمعات قابلة للإبادة والاستبدال.
وبما أن منظومة الاستعمار والإبادة هي كتلة متناقضة مع حركة التاريخ ومع ذاتها أيضاً، فإن سعيها الأعمى لمحو الجمال ينقلب عليها ليتحول إلى شرطٍ مادي يُفجّر في نفوس الشعوب ما يمكن تسميته بـ الجمال الفدائي، تلك الحالة الثورية التي ترفض المحو وتُعيد صياغة البطولة كأرقى أشكال الفعل الجمالي في التاريخ. وتتجلى هذه الاستجابة الواعية في فلسطين ولبنان بأبهى صور الامتلاء الإنساني، في مظاهر الفداء والإيثار، في اقتحام ترسانات القتل وزرع القنابل على أبدانها، في اقتسام رغيف الخبز تحت القصف، وتضميد الجراح بين ركام الأحياء والمدن، والتمسك بالبقاء فوق التراب كفعل عشق كوني يقهر ترسانة الإبادة.
هذا التلاحم العضوي بين الناس يصنع قيمة جمالية فائقة النقاء، لكنها تظل طاقة معطلة وبلا أثر تاريخي إن تعاملنا معها بوصفها بطولات ظرفية معزولة وفوق إنسانية وتنكرّنا لندائها الحي. واجبنا والتزامنا الأخلاقي الثوري هو الاعتراف الواعي بهذا الجمال الفدائي، واستيعابه في وعينا اليومي، ودمجه في بنيتنا الفكرية والنضالية، وإعادة إنتاجه في أحاديثنا ومواقفنا وعلاقاتنا، في الرواية والقصيدة والأغنية والأهزوجة، في تجليات الفلسفة والتأمل، ليظل قوة دفع تاريخية تمنع أن يتحول هذا العالم إلى مستعمرة للقبح والهوان.
آدم كنعان
كاتب فلسطيني