الحلف الثلاثي ضد مَن؟

ناصر قنديل

وقّعت السعودية وتركيا وباكستان «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، التي تنص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً. والحلف الجديد يجمع السعودية بثقلها المالي وموقعها في سوق الطاقة، وتركيا بجيشها الكبير وصناعتها العسكرية، وباكستان بجيشها وترسانتها النووية. لكن السؤال الذي يسبق الاحتفاء بولادة «ناتو إسلامي» هو ضدّ مَن أُنشئ الحلف؟

بدأ المسار قبل أكثر من سنة، وسبقته اتفاقية الدفاع الاستراتيجي السعودية الباكستانية في أيلول 2025، قبل أن تدخل تركيا على الصيغة. لكن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، واستهداف القواعد والمصالح الأميركية في الخليج، وإغلاق هرمز، وتصاعد الضغط اليمني على السفن السعودية، عجّلت بالتوقيع. لذلك قرأت الصحافة الأميركية الاتفاق بوصفه سعياً سعودياً إلى تنويع المظلات الأمنية، استعداداً لزمن لا تعود فيه الولايات المتحدة قادرًة أو راغبة في توفير الحماية الكاملة لحلفائها.

قال الدكتور أندرياس كريغ، الأستاذ المحاضر الأول في كلية الدراسات الأمنية في «كينغز كوليدج لندن» وزميل معهد دراسات الشرق الأوسط فيها، في تصريح نقلته وكالة الصحافة الفرنسية، إن الدول الثلاث لا تحاول استبدال الولايات المتحدة، بل بناء قدرة تحمي مصالحها عندما لا تستطيع واشنطن أو لا تريد ذلك. وأضاف أن الرياض تريد طبقات متعدّدة من الأمن بدلاً من مظلة أميركية واحدة.

ورأى أومر (عمر) كريم، الباحث في السياسة الخارجية السعودية في جامعة برمنغهام والباحث المشارك في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، في تصريح نقلته الوكالة نفسها، أن الحلف موجّه عملياً إلى التعامل مع مقاربة إيران الجديدة للهيمنة على الخليج، وأن وقوع تركيا وباكستان على حدود إيران يمنحهما قدرة مختلفة على الضغط عليها.

أما الخطاب الرسميّ فحرص على نفي استهداف طهران. قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن الاتفاق يقوم على الردع الجماعيّ والتعاون في الصناعات الدفاعية ومكافحة الإرهاب، وإنه لا يستهدف دولة بعينها. وقال السفير الدكتور رائد قرملي، وكيل وزارة الخارجية السعودية للدبلوماسية العامة، في تدوينة نقلتها «رويترز»، إن الاتفاق ليس محوراً عسكرياً أو تكتلاً طائفياً، ولا يرتبط بطموحات نووية أو سباق تسلّح. وتحدث البيان الرسمي للخارجية الباكستانية عن الأخوّة الإسلامية والمصالح الاستراتيجية المشتركة، من دون تحديد آلية اتخاذ قرار الحرب أو المجال الجغرافي للالتزام الدفاعي.

في المقابل، قال إبراهيم رضائي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني، إن «اتفاقاً ورقياً مع تركيا وباكستان لن يجلب الأمن للسعودية»، داعياً الرياض إلى تصحيح سياساتها بدلاً من استجداء الأمن. وهذا موقف برلماني لا بيان رسمي للحكومة الإيرانية. كذلك لم يصدر عن قيادة أنصار الله تعليق رسميّ مباشر على اتفاق مكة، لكن الموقف اليمني المعلن يربط استهداف السفن السعودية باستمرار الحصار والحرب، ويرى أن الحل يبدأ برفع الحصار لا باستقدام مظلات دفاعية جديدة.

هنا يظهر الفارق بين حلف يحمل رؤية استراتيجية وحلف يمثل مجرد بيان سياسيّ لطمأنة السعودية. في الجغرافيا السياسية ترسم الدول الثلاث قوساً بالغ الأهميّة، تركيا وباكستان على الحدود البرية لإيران، والسعودية في مواجهتها عبر الخليج؛ باكستان على حدود الصين، وتركيا في مواجهة روسيا عبر البحر الأسود. أما “إسرائيل” فتقع في قلب المجال الاستراتيجي الذي يفترض بالحلف التعامل معه، مع احتلالها أجزاء من سورية ولبنان واستمرار عدوانها على غزة. وتركيا والسعودية معنيتان مباشرة بسورية ولبنان، والدول الثلاث أعضاء في مجلس السلام الخاص بغزة.

إذا امتلك الحلف شجاعة مواجهة “إسرائيل” دفاعاً عن غزة وسورية ولبنان، فسوف يتحوّل إلى قوة إقليمية حقيقية، وينافس إيران على حمل قضية فلسطين، ويضبط أداءها عبر تقديم رديف إقليمي مستقل، ويفرض على اليمن التفكير بروية. ويصبح الحوار مع إيران واليمن سبيلاً لحل النزاعات، عندها يستطيع الحلف مناقشة مطالب اليمن برفع الحصار، ومطالب إيران بترحيل القواعد الأميركية، وتقديم صيغة للأمن الإقليمي تقوم على عدم الاعتداء والانسحاب من الأراضي المحتلة.

أما إذا كان هدف الحلف مجرد طمأنة السعودية، فالاطمئنان زائف. وإذا كان هدفه إقامة توازن عسكري مع إيران، فمن رفض دخول الحرب إلى جانب الولايات المتحدة، بكل ما تمثله من قوة، لن يخاطر بدخولها إلى جانب السعودية ضد إيران. وباكستان التي رفضت عام 2015 المشاركة في حرب اليمن لن تدخلها بعد أكثر من أحد عشر عاماً، بعدما ثبت عجز القوة العسكرية عن حسمها. وتركيا التي تريد الاحتفاظ بدورها وسيطاً مع طهران لن تستبدل هذا الدور بحرب تهدّد حدودها واقتصادها، ومثلها وأكثر منها باكستان التي أعلن وزير دفاعها خواجة محمد آصف في حزيران 2025 الوقوف مع إيران بوجه التصعيد العسكري الإسرائيلي.

لهذا ركزت «جيروزاليم بوست» على تقديم الحلف ثقلاً سنياً في مواجهة إيران، بينما حذرت «إسرائيل هيوم» من أن دخول تركيا على خط العلاقة السعودية قد يعرقل التطبيع مع “إسرائيل”. فالقلق الإسرائيلي الحقيقي هو احتمال انتقال السعودية من انتظار الحماية الأميركية والتطبيع الإسرائيلي إلى بناء مظلة إسلامية مستقلة تضم قوة نووية.

يبقى الامتحان في تعريف العدو. فإذا تجنب الحلف “إسرائيل”، وسكت عن احتلالها وعدوانها، ورفض بحث أسباب المواجهة مع إيران واليمن، فلن يكون رؤية استراتيجية لأمن المنطقة، بل صورة جماعية لطمأنة السعودية. وعند أول اختبار سيكتشف الجميع أن الجيوش الثلاثة قوية، لكن الحلف بلا عقيدة دفاعية، لأن السؤال المؤجل سيبقى قائماً: الحلف الثلاثي ضدّ مَن؟