من اختطف المقاومة؟.. ثلاثة أصناف تقف خلف الشعار
رسول حسين ابو السبح
في زمن تتداخل فيه المبادئ بالمصالح، لم يعد يكفي أن يرفع أحد راية المقاومة حتى يُمنح صك البراءة أو وسام الشرف، فالشعارات مهما كانت براقة، لا تصنع المواقف، والخطابات، مهما ارتفعت نبرتها، لا تثبت صدق أصحابها.
لقد أنتجت السنوات الماضية واقعاً جديداً، يمكن اختصاره في ثلاثة أصناف ممن يتحدثون باسم المقاومة، أصناف لا يجمعها سوى الشعار لكن تفصل بينها الحقيقة.
الصنف الأول هم رجال المقاومة، أولئك الذين يرون في المقاومة عقيدةً ومسؤولية، لا وسيلةً لتحقيق المكاسب، لا يتقدمون الصفوف بحثاً عن الأضواء، بل يتقدمونها عندما يكون الثمن دماً أو تضحية أو حصاراً، هؤلاء لا يحتاجون إلى حملات ترويج، لأن الميدان هو الذي يتحدث عنهم، وتاريخهم هو الذي يمنحهم الشرعية.
أما الصنف الثاني، فهم تجار المقاومة، وجدوا في القضية باباً للنفوذ، وفي الشهداء سلماً للمناصب، وفي الخطاب المقاوم وسيلةً لتوسيع النفوذ السياسي والمالي، يكثر حديثهم عن المبادئ، لكنهم أول من يساوم عليها عندما تتعارض مع مصالحهم، بالنسبة إليهم، المقاومة ليست رسالة، بل مشروع استثماري يدر الأرباح ويمنح النفوذ.
ويبقى الصنف الثالث، وهو الأكثر انتشاراً والأشد خطورة، المتزينون بالمقاومة، يلبسون لباسها، ويحفظون مفرداتها، و يملأون الشاشات ومنصات التواصل بخطبهم، لكنهم يغيبون عندما تحضر التضحيات، يجيدون صناعة الصورة أكثر من صناعة الموقف، ويبحثون عن التصفيق أكثر من بحثهم عن المسؤولية، إنهم يستهلكون رصيد المقاومة من دون أن يضيفوا إليه شيئاً… المضحك المبكي أن هذا الصنف يتواجد في مكان على الجبهات.
المشكلة ليست في وجود هذه الأصناف، بل في الخلط بينها، فعندما يُساوى المقاوم الحقيقي بمن يتاجر باسمه، أو بمن يتزين بشعاره، تضيع المعايير وتختلط الأوراق، ويصبح الجمهور عاجزاً عن التمييز بين من يدفع الثمن ومن يحصد المكاسب.
ولهذا فإن أخطر ما يهدد أي مشروع مقاوم ليس فقط ضغط الخصوم، بل أولئك الذين يتسللون إلى داخله وهم يحملون الشعار نفسه، بينما تختلف الغاية والنية والسلوك.
وهنا يجب التأكيد والتثبيت، المقاومة ليست منشوراً على وسائل التواصل، ولا خطاباً حماسياً في شاشات التلفاز، ولا صورةً تُرفع في المناسبات، المقاومة موقف يثبت عند الشدائد، وأمانة لا تحتمل المتاجرة، وقضية لا تتسع للمتلونين… ومن يخون الأمانة سيلعنه التاريخ لا محال.
اخيراً يبقى الزمن وحده هو القاضي العادل فهو الذي يكشف من كان وفياً للمبدأ، ومن جعل المقاومة تجارة، ومن ارتدى ثوبها زينةً حتى إذا جاءت ساعة الامتحان سقط القناع، وبقيت الحقيقة وحدها تتحدث.
