”إن الأمة التي تُقايض حرية إعلامها بأمن وهمي، تخسر حريتها وأمنها معاً. فالحقيقة ليست تهمة تُساق إلى أروقة التحقيق، بل هي الشريان الحقيقي الذي يغذّي نهضة الشعوب وكبرياءها.”
الكلمة كصاعق تفجير فكري
لم تكن الكلمة يوماً مجرد حروف مرقومة على ورق، بل هي في لحظات التحول التاريخي الكبرى سلاح موجه وصاعق تفجير فكري. وفي وطن يعيش على خطوط التماس الجيوسياسية كـلبنان، تحولت الصحافة من أداة لنقل الخبر إلى ميدان اشتباك مباشر بين إرادة التحرر والسيادة من جهة، ومشاريع التبعية والهيمنة من جهة أخرى.
وفي قلب هذا الصراع الوجودي، تبرز ملاحقة الصحفيين المقاومين — وعلى رأسهم قضايا الاستدعاءات الضاغطة التي تطال إعلاميين كـ حسن عليق — لتكشف عن نهج سلطوي متصاعد، يستهدف خنق الصوت الحر، وتحويل المؤسسات القضائية والأمنية من ملاذ لصون الحريات إلى أداة تُشهر بوجه كل من يتجرأ على كسر السرديات الرومانسية للسلطة.
1. تشريح الملاحقة: من السجال الفكري إلى الاستهداف السياسي
إن التمعن في طبيعة الاستدعاءات والملاحقات التي تطال صحفيي خط المقاومة يظهر جلياً أنها لا تنفصل عن موازين القوى السياسية. فالصحفي المقاوم لا يمارس رفاهية النقد التجميلي، بل يغوص في ملفات السيادة الوطنية، ويعد التحقيقات الشائكة، ويكشف خفايا التوازنات الأمنية والسياسية التي يفضل البعض إبقاءها في العتمة.
ومن هنا، لا تصبح الملاحقة مجرد إشكال قانوني حول المقال أو التصريح، بل محاولة ممنهجة لـ “تدفيع الثمن السياسي” وإرباك الخط الإعلامي المناهض للهيمنة. إن رفع سلاح الترهيب القضائي بوجه القامات الإعلامية التي تمارس دورها النقدي والتحليلي هو إعلان عجز عن مواجهة الحجة بالحجة، واستبدال مقيت للمنطق الفكري بالضغط المباشر.
2. التغول القضائي واغتيال الضمانات الدستورية
يمثل الانحراف عن التشريعات الحامية للصحافة خطراً هيكلياً يهدد بنيان الدولة والعدالة بأكمله. فالقوانين المرعية والمواثيق الدولية أفردت محكمة المطبوعات كمرجع حصري للبت في المخالفات الإعلامية، ضماناً لعدم شلل قلم الصحفي تحت تهديد التوقيف الاحتياطي.
غير أن الواقع العملي يشهد تجريفاً لهذه الضمانات عبر مسارات ثلاثة:
تجاوز الاختصاص الأصيل: إصرار بعض الجهات القضائية والأمنية على استدعاء الصحفيين أمام النيابات العامة الاستئنافية أو الأجهزة الأمنية والعسكرية، بما يخالف صريح روح القانون.
التكييف المطاط للتهم: إلباس المادة التحليلية لبوس الاتهامات الجنائية الفضفاضة، مثل “المسّ بهيبة المؤسسات” أو “إضعاف الشعور القومي”، وهي مصطلحات تُفصّل غالباً لحماية المسؤولين وليس لحماية الوطن.
سلاح الإنهاك المعنوي: تحويل الكاتب من شريك في التنوير وصناعة الوعي إلى مدعى عليه مستنزَف في الممرات القضائية، لفرض واقع خفي من الرقابة الذاتية على كافة العاملين في الجسم الإعلامي.
3. أبعاد المعركة: صراع السرديات في زمن الحروب الناعمة
تكتسب ملاحقة إعلاميي المقاومة بعداً استراتيجياً بامتياز؛ إذ تعيش المنطقة على وقع حرب ناعمة لا تقل ضراوة عن المواجهات الميدانية. فالإعلام المقاوم يشكل رأس حربة في تفكيك الروايات الاستعمارية والكشف عن مخططات الخرق والاختراق.
وبالتالي، فإن التضييق على هذه الأصوات يخدم — بقصد أو بغير قصد — أجندات تفريغ الساحة الإعلامية لصالح الخطاب المنكفئ. إن استهداف الصحفي المقاوم ليس خياراً إدارياً، بل هو استهداف مباشر لخط الدفاع الأول عن الوعي الجمعي والكرامة الوطنية.
لن تُقيد الكلمة بالأصفاد
إن الشعوب التي تطمح للنهوض والتفكك من أرباق التبعية لا يمكن أن تبني مستقبلها على أطلال حرية التعبير المُصادرة. إن القيود مهما اشتدت، والقرارات الأمنية والقضائية مهما تغولت، لن تنجح في إطفاء جمرة الحقيقة أو إسكات صوت اختار أن يكون لساناً للكرامة.
د. نبيلة عفيف غصن
