​لم تكن المشاهد القادمة من نابلس مجرد جولة جديدة من التصعيد، بل كانت تفصيلاً صادماً من سياق إرهابي متكامل تستعر نارُه تحت سمع العالم وبصره. مشاهد المنازل التي تلتهمها ألسنة النيران، والسيارات التي تحولت إلى هياكل متفحمة، والعائلات التي تُفاجأ بالموت محاصِراً مخدعها، تعيد التذكير بحقيقة لا تقبل التجميل: ما يجري في نابلس وقراها ليس مجرد “اعتداءات عابرة”، بل هو إرهاب دولة منظم يمارس أقصى درجات الفاشية الإحلالية.
​عصابات الموت: إرهاب محمي ومسلح
​إن محاولة تصوير هجمات المستوطنين على أحياء نابلس وقراها بصفتها “تصرفات فردية” أو أعمال غضب من مجموعات متطرفة هي مغالطة خبيثة تُستغل للتغطية على الجريمة الأصلية:
​التكامل الميداني: يتحرك هؤلاء المستوطنون ككتائب مسلحة تنفّذ اقتحامات ليلية مباغتة، تستهدف العُزّل في منازلهم وأرزاقهم.
​التغطية الرسمية: تُنفّذ هذه الهجمات تحت عين المنظومة العسكرية للاحتلال وبحمايتها المباشرة، مما يجعل المستوطن والجيش وجهين لعملة القمع ذاتها.
​الهدف الاستراتيجي: ليس الهدف إلحاق الخسائر المادية فحسب، بل فرض واقع من التهجير القسري الناعم بالحديد والنار، وتحويل حياة الفلسطيني إلى سلسلة لا تنتهي من الخوف والرماد.
​حرق البيوت والسيارات والرموز المعيشية للناس لم يعد مجرد أسلوب اعتداء، بل تحول إلى دكتاتورية ميدانية تهدف لتقويض مقومات الصمود:
​”أن تحرق بيتاً على ساكنيه في هزيع الليل الأخير، يعني أنك لا تخوض معركة عسكرية، بل تمارس عقيدة محو تجرد الإنسان من حقه الأولي في الأمان على أرضه.”
​هذه المشاهد التي تعيد إلى الأذهان أبشع حقب الفاشية في التاريخ الحديث، تعكس عقيدة إجرامية ترى في كل منزل فلسطيني هدفاً مباحاً، وفي كل شجرة أو سيارة مشهداً يجب أن يستحيل إلى دخان.
​الصمت الدولي: تواطؤ بالسكون
​أمام هذا الجحيم المتنقل في أرجاء الضفة الغربية، يستمر المشهد الدولي في ممارسة هوايته المعهودة: بيانات القلق الجوفاء، ودعوات “ضبط النفس” التي تساوي بين الضحية والجلاد.
.1 ​أين القوانين الدولية والمواثيق التي تتغنى بحماية المدنيين تحت الاحتلال؟
.2 ​أين منظومات حقوق الإنسان أمام نيران تلتهم أطفالاً داخل منازلهم؟
​إن هذا الصمت المريب لم يعد مجرد عجز سياسي، بل بات غطاءً فعلياً يقدم الضوء الأخضر لعصابات الاستيطان للاستمرار في جرائمها دون أدنى خوف من عقاب أو ملاحقة.
​جبل النار لا يطفئه الرماد
​قد تحترق الجدران، وقد تتفحم المركبات، لكن الرماد لم ولن يكون يوماً نهاية الحكاية.
​نابلس، التي حفرت اسم تاريخها بـ “جبل النار”، تعرف جيداً كيف تتجاوز الكوارث وتنهض من تحت الركام. إن سياسة الإحراق والترهيب لن تنجح في اقتلاع شعب تجذرت هوية أرضه في عمق التاريخ، وكل شرارة يطلقها المستوطنون في بيوت نابلس، لا تزيد الأهالي إلا تمسكاً بأرضهم، وبيوتهم، وحقهم الأبدي في البقاء.
د. نبيلة عفيف غصن