حين يتحول اللجوء إلى حاضنة للأمراض
لم تعد مشاهد النزوح في خان يونس مجرد صور لخيام قماشية متهالكة تقاوم حرارة الصيف الشديدة، بل تحوّلت إلى مسرح لكارثة صحية وإنسانية معقدة. إن ظهور أعراض مرض “جدري البقر” (Carpox) والأمراض الجلدية الفيروسية والمعدية بين أطفال المخيمات ليس مجرد عرض جانبي عابر للنزوح، بل هو نتيجة حتمية لبيئة قاسية جُرّدت عمدًا من أدنى مقومات الحياة البشرية.
أولاً: أفران النايلون.. الحرارة المرتفعة كمُحفِّز للأوبئة
تعمل الخيام المصنوعة من القماش والبرازيل النايلوني تحت أشعة الشمس الحارقة كـ “أفران حرارية”. وفي ظل درجات حرارة تتجاوز المعايير الطبيعية داخل هذه المساحات الضيقة:
بيئة خصبة للبكتيريا والفيروسات: الارتفاع الحاد في الحرارة مع انعدام التهوية والتكدس الأسري يخلق المناخ المثالي لنمو الفيروسات والميكروبات الجلدية بسرعة قياسية.
الإنهاك الحراري وتدني المناعة: يتعرض أطفال المخيمات للتعرق المفرط المستمر والطفح الجلدي الحراري، مما يضعف خط الدفاع الأول للجسم (الجلد) ويجعله بيئة سهلة لاختراق الفيروسات والتفشي السريع للعدوى بين الأطفال.
ثانياً: سلاح العطش والتلوث.. البيئة القاتلة بلا وقاية
إن الحديث عن “الوقاية من الأوبئة” في مخيمات خان يونس يبدو ضربًا من الترف الفكري؛ فالواقع الميداني محكوم بانهيار شامل لكافة الخطوط الدفاعية الصحية، وتتجلى هذه الأزمة في أربعة محاور أساسية:
انعدام المياه الصالحة للشرب والاستحمام: يواجه السكان شحاً حاداً وتلوثاً كبيراً في مصادر المياه المتاحة، مما جرد العائلات من القدرة على النظافة الشخصية والغسيل الدوري لتطهير أجساد الأطفال.
اختفاء مستلزمات النظافة والمطهرات: أدى الحصار الممتد إلى نفاد الصابون والمطهرات والشامبو من الأسواق والعيادات، مما يترك جروح الأطفال وأيديهم مكشوفة للملوثات دون القدرة على تعقيمها.
انهيار شبكات الصرف الصحي: أدى طفح مياه العادم وتسربها بين الخيام وفي الممرات الضيقة إلى خلق بيئة تعج بالحشرات والناقلات الطفيلية الكفيلة بنقل العدوى الفيروسية والجلديّة فوراً.
تكبيل الرعاية الصحية والطبية: يواجه القطاع الصحي شللاً شبه تام بسبب خروج غالبية المستشفيات والعيادات عن الخدمة، مما يعطل توفير الأدوية المضادة للفيروسات، والمراهم التلطيفية، والعلاجات الأولية.
ثالثاً: من الأزمة الإنسانية إلى التهديد البيولوجي
”الأمراض الجلدية في أوقات الأزمات ليست مجرد حكة أو عدوى ظاهرة؛ إنها المقياس الأصدق لانهيار البيئة الصحية الشاملة. وحين يصاب طفل بالجدري داخل خيمة، فإن الخيمة تتحول فورًا من مأوى مفترض إلى محبس لتفشي المرض.”
إن تفشي مرض مثل “جدري البقر” أو السلالات الفيروسية الشبيهة بين الأطفال يتعدى كونه أزمة طبية طارئة، ليكشف عن ثلاث حقائق رئيسية:
.1 الانهيار الكامل للسياج المناعي: سوء التغذية الحاد، ونقص الفيتامينات، والضغط النفسي المستمر، جميعها عوامل أسقطت المناعة الذاتية لدى الأطفال، فباتت أجسادهم غير قادرة على مقاومة أضعف الفيروسات.
.2 انعدام حد الأمان البيئي (العزل المفقود): في الظروف الطبيعية، يُعزل المريض ويُعالج ببروتوكولات طبية محددة. أما في خيام خان يونس، فإن الطفل المصاب ينام إلى جوار إخوته في مساحة لا تتعدى أمتارًا معدودة، مما يجعل سلسلة العدوى متصلة ولا تتوقف.
.3 الحصار الطبي المقيد: منع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية والمطهرات يفرض وضعًا معقدًا، حيث تتفاقم الأمراض الجلدية البسيطة لتتحول إلى التهابات صديدية ومضاعفات تهدد السلامة الجسدية للأطفال.
إن استمرار الوضع الراهن في مخيمات جنوب قطاع غزة دون تدخل إنساني وطبي عاجل وسريع — يشمل توفير المياه الصالحة للشرب، والمنظفات، والأدوية النوعية، وفك الحصار الإغاثي — يعني أن القطاع أمام موجة أوبئة متسلسلة لن تقف عند حدود الجلد، بل قد تمتد لتلتهم ما تبقى من صحة الأطفال المحاصرين بين لهيب الخيام ووطأة المرض.
د. نبيلة عفيف غصن
