الانتماء… حين يصبح موقفًا لا هوية

فاتنة علي،لبنان/سورية الطبيعية

كثيرًا ما يُختزل مفهوم الانتماء في الجنسية، أو يُقاس بحدود الجغرافيا، أو يُحصر في مذهب أو عِرق أو قومية. حتى أصبح السؤال الشائع: إلى أي بلد تنتمي؟ أو إلى أي طائفة؟ أو أي فكر تتبع؟ لكن هل هذه وحدها تصنع حقيقة الانتماء؟

الانتماء الحقيقي أعمق من كل ذلك. إنه ليس بطاقة هوية، ولا جواز سفر، ولا اسمًا يُكتب في خانة المذهب أو القومية. إنه موقف أخلاقي قبل أن يكون تعريفًا اجتماعيًا، وقيمة إنسانية قبل أن يكون عنوانًا سياسيًا.

فالإنسان قد يولد في أرض، لكنه لا ينتمي إليها إذا خان قيمها. وقد يعيش بعيدًا عن وطنه، لكنه يبقى أكثر الناس انتماءً إليه لأنه يحمل قضيته ويدافع عن حقه. وقد يجتمع أشخاص في الدين أو اللغة أو العرق، ثم يفرق بينهم الظلم والخيانة والأنانية.

الانتماء يبدأ من الانتماء إلى الخالق، الذي أمر بالعدل ونهى عن الظلم، ثم إلى المبادئ التي تحفظ كرامة الإنسان، وإلى الأخلاق التي تجعل الحق فوق المصالح، والإنسانية فوق العصبيات.

أن تكون منتميًا يعني أن تنصر المظلوم، حتى لو كان الظالم أخاك. وأن ترفض سرقة الأرض، وانتهاك العرض، وسلب الحرية، مهما كان مرتكبها ومهما كان ضحيتها. وأن تؤمن بأن الحقوق لا تتجزأ، وأن العدالة لا تُقاس بالأسماء والانتماءات، بل بالمبادئ.

الانتماء ليس أن تدافع عن جماعتك في كل الأحوال، بل أن تمتلك الشجاعة لتنتقدها إذا أخطأت، وأن تنصف غيرها إذا ظُلِم. فالولاء للأشخاص قد يعمي البصيرة، أما الولاء للحق فيحرر الإنسان من التعصب ويجعله شاهدًا للعدل.

ولهذا فإن أخطر ما يصيب المجتمعات هو أن يتحول الانتماء إلى تعصب أعمى، فيصبح الظالم بطلًا لأنه “منّا”، ويصبح المظلوم متهمًا لأنه “من غيرنا”. عندها يموت الضمير، وتضيع القيم، وتصبح الهوية غطاءً للباطل بدل أن تكون سبيلًا إلى الحق.

الانتماء الحقيقي لا يُختبر في أوقات الراحة، بل في لحظات المواقف الصعبة؛ عندما يصبح الدفاع عن الحق مكلفًا، وعندما يكون الصمت أسهل من الكلام، وعندما يكون الوقوف إلى جانب المظلوم ثمنه مواجهة أصحاب النفوذ.

لذلك، فإن الانتماء ليس سؤالًا عن المكان الذي وُلدت فيه، ولا عن الاسم الذي تحمله، ولا عن الجماعة التي تنتسب إليها. إنه سؤال واحد: إلى أي قيم تنتمي؟ فإذا كان الحق وجهتك، والعدل ميزانك، والأخلاق طريقك، فأنت منتمٍ بحق، مهما اختلفت جنسيتك أو جغرافيتك أو مذهبك.

وفي عالمنا المعاصر، لا يكتمل الحديث عن الانتماء دون الوقوف أمام القضايا التي تُختبر فيها المبادئ. فحين يتعرض شعبٌ للاحتلال أو للحصار أو للعدوان، يصبح السؤال الحقيقي: إلى أي جانب يقف الضمير؟ إن الانتماء للحق يقتضي الاعتراف بحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في مقاومة الاحتلال والدفاع عن أرضها وكرامتها، وهو مبدأ أقرّه القانون الدولي في سياق تقرير المصير. ومن هذا المنطلق، إن المقاومة الفلسطينية واللبنانية تمثل تعبيرًا عن حق الدفاع في مواجهة الاحتلال والاعتداءات التي طالت الأرض والإنسان لعقود طويلة.

وبالمعيار نفسه، فإن المأساة اليمنية لا يمكن النظر إليها بعيدًا عن حجم المعاناة الإنسانية التي عاشها الشعب اليمني نتيجة الحرب والحصار. فالانتماء للعدل يفرض رفض تجويع الشعوب ومعاقبتها جماعيًا، ويستلزم الإنصات إلى مظلوميتها بعيدًا عن الاصطفافات السياسية. كما أن حركة أنصار الله (الحوثيين) قضيتها ترتبط بالدفاع عن سيادة اليمن ورفض التدخلات الخارجية، وأن مواقفها تنطلق من مواجهة عدوانًا على بلدها ودعمًا للقضية الفلسطينية. وسواء اتفق المرء أو اختلف مع أطراف الصراع، فإن الانتماء الحقيقي يقتضي أن يبقى معيار الحكم هو العدل، وكرامة الإنسان، ورفض الظلم، لا هوية الفاعل .