زياد حافظ
باحث وكاتب اقتصادي سياسي وعضو الهيئة التأسيسية للمنتدى الاقتصادي الاجتماعي في لبنان
اذا ما اعتبرنا أن الاقتصاد هو يقين السياسة ولكن بلغة الارقام فتصبح المقاربة الاقتصادية قراءة سياسية بامتياز للارتدادات الاقتصادية والاجتماعية التي تنتج عنها أو تسببها. فلا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة كما أن السياسة المنقطعة عن الاقتصاد هي مبتورة وناقصة. لذلك تصبح مقاربة المشهد الاقتصادي في لبنان قراءة سياسية بامتياز وتصبّ في مقاربة البنية السياسية التي نتجت عن تكوين الكيان في العشرينات من القرن الماضي مع ملاحظة الظروف الاقليمية والدولية التي رافقت إن لم تكن فارضة للكيان ونظامه الاقتصادي. وعلى مدى أكثر من قرن من الزمن ترسّخت ترابط بنية النظام السياسية بطبيعة النظام الاقتصادي الذي ما زال حتى الساعة قائما على فرضية كانت خاطئة في الاساس ولكنها أصبحت اليوم غير موجودة. فميزان القوّة الذي نشأ بعد الحرب العالمية الاولى وتقطيع المنطقة وفقا لاتفاقيات سايكس بيكو تغيّر بشكل جذري في مطلع الالفية الثالثة وخاصة بعد تحرير لبنان من الاحتلال الصهيوني الذي بدأ في 1982 واستمرّ على مدى 18 سنة رغم قرارات دولية وأقليمية لخروج الكيان من لبنان والتي لم يكترث لها. فكانت المقاومة المسلّحة هي التي أجبرته على الخروج ما أوجد معادلات جديدة في لبنان وفي الإقليم وحتى الصعيد الدولي تفرض إعادة النظر في بنية النظام السياسي والاقتصادي للبنان.في ذلك السياق هناك سيناريوهان يتنافسان لمستقبل لبنان. السيناريو الاول هو بقاء لبنان ككيان ولكن بشكل مختلف عما اوجد في العشرينات من القرن الماضي لان التوزانات الداخلية بين مكوّناته تغيّّرت بشكل جذري. ومسار الامور من جرّاء نتائج الحرب الاهلية في لبنان منذ 1975 حتى 1989 وما نسمّيه بحقبة الطائف تعكس تلك التغييرات في احجام مكوّنات الكيان اللبناني.
أما السيناريو الثاني، فهو ناتج عن التغييرات في موازين القوّة في الاقليم وفي العالم حيث الخرائط السياسية تتغيّر وبالتالي قد تنعكس على الخرائط الجغرافية التي تلغي ارث سايكس بيكو. والسيناريوهان يحظيان بمنطق متماسك لا أحد يستطيع انكاره وإن كان صادما لأمر واقع صنعته القوى السياسية في لبنان وفي الاقليم على على مدى العقود الماضية. ومن الواضح أن أي من السيناريويين يعتبر أن مستقبل الكيان اللبناني مرتبط بشكل عضوي بالتحوّلات في موازين القوّة الاقليمية والدولية وخاصة مع تزايد احتمال زوال الكيان الصهيوني في الحد الاقصى أو تهميشه إلى حد كبير في الحد الادنى وإن كان الاحتمال الاول هو الاقرب للواقع ومسار الامور. وفي كلا السيناريويين سيكون النظام السياسي والاقتصادي في لبنان انعكاسا لموازين القوّة في الاقليم وفي العالم.فما هي تلك الموازين وكيف ستنعكس على بنية النظام اللبناني سياسيا واقتصاديا؟ من الواضح ان القوى المهيمنة بعد الحربين العالميتين والتي أوجدت الكيان اللبناني لم تعد قائمة بسبب تراجع وافول امبراطورياتها وصولا إلى حد الهامشية فيما يتعلّق بالامبراطورية البريطانية والفرنسية. أما الامبراطورية الاميركية فما نشهده في الاقليم وفي شرق اوروبا هو افول الامبراطورية الاميركية الذي قد يصل إلى الانكفاء التام في القارة الشمالية مع تحدّيات داخلية كبيرة قد تلغى التماسك الداخلي وبالتالي تواجه زوال الكيان الاميركي. طبعا، لم تصل الامور إلى ذلك الحد لكن المسارات التي اتخذتها النخب الحاكمة منذ عقود قد توصلها إلى تلك النتيجة وهذا ما اوضحناه في كتابنا الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية في 2025 تحت عنوان “اميركا: حقائق ومسارات”.
المهم هنا هو أن في المواجهة القائمة في الخليج بين الجمهورية الاسلامية في إيران والتحالف الصهيوالاميركي العدواني عليها هو كشف الضعف الاميركي والصهيوني امام دول الاقليم والعالم. كما أن المواجهة بين الكيان وجبهة المقاومة في لبنان وفلسطين واليمن والعراق بمساندة الجمهورية الاسلامية في إيران ابرزت الضعف البنيوي للكيان الصهيوني الذي اصبح قاب قوسين أو ادنى. هذا المشهد يساهم في اقدام النخب الحاكمة في دول الاقليم والدول العربية التي كانت تدور في الفلك الاميركي على مراجعة خياراتها وسياساتها المبنية منذ رحيل القائد خالد الذكر جمال عبد الناصر أن 99 بالمئة من اوراق اللعبة بيد الولايات المتحدة وان الحصول على “رضاها” هو عبر بوّابة الكيان الصهيوني. هذه الفرضية سقطت حيث تبيّن عجز الولايات المتحدة عن تقديم “الحماية” لدول المنطقة التي تسير في فلكها وأن همها الوحيد كان وما زال حماية الكيان الصهيوني الذي أيضا بات واضحا عجز الولايات المتحدة عن حمايته.المراجعة في الخيارات كانت قد بدأت أبان العدوان الفاشل على اليمن وعجز الولايات المتحدة عن حماية منشئات شركة ارامكو فكانت سلسلة من الخطوات اتخذتها حكومة بلاد الحرمين بعيدة عن الرغبة الاميركية كالتقارب مع الجمهورية الاسلامية في إيران والصين ورويسيا وتسعير برميل النفط بغير الدولار ما كسر قاعدة وجود البترودولار. وكذلك نسجّل رفض الحكومة المصرية في الانخراط في محاصرة اليمن في السنة الاخيرة لولاية بايدن كما تجنّبت في الاساس المشاركة في العدوان على اليمن. هناك سلسلة من الاجرءات في التسليح والصفقات الاقتصادية الاستراتيجية تؤكّد مسار المراجعة بعيدا عن الرغبة الاميركية. أما المواجهة القائمة في الخليج والمرتقبة مجدّدا في البحر الاحمر مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني فمن الواضح ان المازق الذي وقع فيه الرئيس الاميركي دونالد ترمب ينذر بكوارث اقتصادية عالمية واقليمية واميركية سنقاربها بشكل سريع لانها ستكون خلفية مقاربتنا للمشهد الاقتصادي اللبناني القائم والمرتقب.هذه الملاحظات ضرورية لفهم منطلق المقاربة التي نقدّمها حول لبنان.
فكما ذكرنا أعلاه، إن الظروف التي أدّت إلى نشأة الكيان تغيّرت بشكل جذري كما أن لبنان لم يستطع عبر مختلف مقوّماته بناء الدولة لأنه لم يكن هناك أي تفاهم على مفهوم ومضمون الدولة. فالسلطة، وليست الدولة، التي هي مشكّلة من الارض، والشعب، والسلطة، هي التي تختزل في مكوّناتها فحسب مفهوم الدولة وإن كان على حساب الارض والشعب. فالسلطة لم تكن في أي يوم من الايام قادرة على حماية “الارض”، ولم تكن قادرة على حماية “الشعب”، ولم تكن قادرة على بناء مؤسسات تقدم خدمات للشعب إلاّ بمنظور ضيّق يخدم فقط مصالح النخب المسيطرة على مكوّنات لبنان. وبنية الاقتصاد اللبناني منذ حقبة الانتداب وحتى في حقبة الاستقلال ومؤخرا في حقبة الطائف كانت وما زالت بنية ريعية مالية مبنية على حصر مفاصل الاقتصاد بيد قلّة لا تتماهى مع مصالح الشعب. ولا نريد الاسترسال في تقييم النخب الحاكمة التي عملت ونجحت على اجهاض المحاولات البسيطة لبناء مؤسسات تخدم الشعب اللبناني كما حصل في ولاية الرئيس فؤاد شهاب، بناء على تقرير مؤسسة “ارفد” في اواخر الخمسينات من القرن الماضي. ما يهمّنا اليوم هو تقدير موقف حول إمكانية الخروج من المأزق الاقتصادي والانسداد في الافق السياسي الذي يجد لبنان واقعا فيه. في رأينا هذه الامكانية محدودة كي لا نقول غير موجودة. فالتغيير في لبنان لن يكون بقدرات ذاتية بمقدار ما سيكون نتيجة التحوّلات في الإقليم والعالم. وتاريخيا حتى حقبة الانتداب كان لبنان جزءا من المنطقة السياسية والادارية لما هو معروف عن بلاد الشام التي تمتد من جنوب جبال الطورس حتى العريش في مصر وشرقا حتى الفرات. ووحدة بلاد الشام وبلاد الرافدين كانت هي الوحدة السياسية والحضارية التي كان لبنان جزءا منها، وما زال شاء من شاء وأبي من أبى.
فحكم الجغرافيا والتاريخ لا يلغيه ارادة قلّة تريد أن تذهب في عكس مسار التاريخ وواقع الجغرافيا. بناء على ذلك، فالتحوّلات التي حصلت في الاقليم خلال السنوات التي امتدت منذ تحرير لبنان في 2000 حتى الساعة تفضي إلى أن ميزان القوّة الجديد سيأتي بموازين جديدة في لبنان تعكس التغيير السكاني عددا واقتصادا وثقافة خلافا عما قام عليه لبنان في حقبة الانتداب وفيما بعد في حقبة الاستقلال وحتى حقبة الطائف. االتغيير في البنية السكّانية في لبنان يعني تغييرا في التوزيع السكّاني بين الطوائف وبين المناطق. وإذا تكوّنت السلطة في لبنان بناء على تدخّلات مباشرة خارجية سواء كانت عربية أو إقليمية أو دولية فإن المكوّنات المستجيبة لتلك التدخّلات شهدت عبر التاريخ تبدّلات بين المتدخّلين في الشأن اللبناني. وتاريخيا منذ حقبة القائمقامية في لبنان برهنت المكوّنات اللبنانية عن عجزها عن حكم الوطن دون الرجوع إلى الوصاية الخارجية. كان ذلك صحيحا في عهد المتصرّفية التي أتت على أنقاض القائمقامية وفشلها وفيما بعد في حقبة الانتداب وفي حقبة الاستقلال في التوازن والتوافق بين القوى الاقليمية العربية والدول الغربية سواء كانت فرنسية أو بريطانية أو أميركية. وفي حقبة الطائف كانت ما يُسمّى بالوصاية السورية على لبنان نتيجة توافق عربي ودولي يعكس التوازنات الدولية والاقليمية. لكن نجاح التحرير ومحاولات إجهاض دور المقاومة عربيا ودوليا عبر الادوات الداخلية أدخل لبنان في دوّامة عدم الاستقرار خاصة بعد الغاء الدور السوري بعد احتلال الاميركي للعراق وفرض موازين جديدة. أما اليوم وبعد “طوفان الاقصى”، برز الدور الايراني في معقل كان حكرا على الدول الغربية ومن يتبعها من بين الدول العربية وهذا ما يزعج اكثرية مكوّنات النسيج اللبناني ناهيك عن الدول العربية التي اعتبرت لبنان مسرحا لنفوذها. والتنكّر لذلك الواقع الجديد يساهم في استمرار عدم الاستقرار في لبنان.عدم الاستقرار في لبنان نتج عن التدخّل الخارجي سواء كان عربيا أو دوليا. ومنذ سنة 2000 كان التدخل ضد وجود المقاومة في لبنان التي هدّدت بشكل جدّي الكيان الصهيوني وأظهرت أنه فعلا أوهن من بيت العنكبوت. وبالتالي هزيمته على يد المقاومة أصبحت حقيقة بإمكانها أن تمتد إلى الواقع العربي الذي ما زال يعتبر أن الكيان قدر عليه! وزعزة الاستقرار كانت عبر وسائل سياسية وأهم من كل ذلك عبر الاقتصاد.
فما جعل الاقتصاد اللبناني وسيلة ضغط هو بنيته من جهة وسيطرة النخب الحاكمة على مفاصله عبر أدوات مختلفة آخرها المؤسسات المالية العامة والخاصة. فحقبة الطائف ارادت الغاء أي قاعدة لبناء مؤسسات للدولة تستطيع من خلالها تقديم الخدمات الاجتماعية للمواطن اللبناني وبالتالي إضعاف أي محاولة لخلق المواطنية بدلا عن الولاء الطائفي والمذهبي. والمشروع الاقتصادي في حقبة الطائف ساهم في ذلك عبر المحاصصة بين المكوّنات الرئيسية للسلطة في لبنان فارتكز على قاعدة خصخصة القطاع العام وتنمية المؤسسات المالية الريعية وذلك على حساب القطاع الصناعي والزراعي. مشروع حقبة الطائف هو نقيض مشروع الاصلاح المرحلي الذي حاول الرئيس فؤاد شهاب ترسيخه. نكسة 1967 أضعفت دور مصر في تثبيت الاستقرار في لبنان الذي اعتمد عليه الرئيس شهاب. فبعد 1967 تحالفت البيوت السياسية لإسقاط “النهج” الشهابي ما أوصل لبنان إلى الحرب الاهلية في 1975 والتي انتهت باتفاقية الطائف. ففي حقبة الطائف استعملت السلطة القائمة في لبنان، والمبنية على توافق بين مكوّنات المجتمع اللبناني الرئيسية وبرعاية عربية ودولية، على الاستدانة العامة بفوائد باهظة مخالفة للقانون أولا، ومخالفة لأي منطق اقتصادي. فتراكم الدين العام بشكل عام أصبح اطفاؤه من المستحيلات في ظلّ السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية المتبعه من قبل السلطة في لبنان. تغطية الدين كانت عبر عملية اختلاس عملاقة استندت على الاستيلاء على ودائع المواطنين في المصارف اللبنانية. والمسؤولون عن تلك المصارف ساهموا بوعي كامل على عملية السطو لانهم كانوا يحظون بحماية مقوّمات ومكوّنات السلطة وذلك بغطاء عربي ودولي.
السؤال والسجال الذي يّطرح في ذلك المجال هو هل كان الغطاء العربي والدولي لعملية السطو مقصودة لدفع لبنان إلى الهاوية؟على كل حال تسارعت الامور فكانت على اعقاب جائحة الكورونا التي شلّت اقتصادات العالم ازمة 2019 التي فجّرتها انتفاضة شعبية احتجاجا في البداية على رفع رسوم استعمال التطبيق “واتساب” وسرعان ما تحوّلت إلى عملية احتجاجية واسعة ضد الاوضاع المعيشية المتردّية وسرعان ما تمّ اختطافها من قوى تابعة للسفارات الاجنبية والمموّلة منها عبر منظومة الجمعيات غير الحكومية خدمة لاجندات مشبوهة تستهدف المقاومة في لبنان. وما زال لبنان في حالة الجمود حيث الحكومات المتتالية منذ 2019 تعمل على الحفاظ على الجمود وعدم تقديم أي حلول تحت ضغط المصالح الخاصة المستفيدة من الفوضى والوضع القائم وبرضى التدخلاّت العربية والدولية في تقاطع لمصالحها في القضاء على المقاومة في لبنان، وإن كان ذلك على حساب استقرار وتماسك المجتمع اللبناني.واقع الامر الاقتصادي والاجتماعي المتردّي منذ بدء حقبة الطائف كان موضع انتقاد ومراجعة من بعض مرجعيات اقتصادية حريصة على الوطن.
وهذه المرجعيات اجتمعت وأسست المنتدى الاقتصادي الاجتماعي اللبناني الذي اصدر مقاربة متكاملة للتشخيص والحلول للازمة في لبنان وزّعتها على مختلف القوى السياسية في لبنان والهيئات الرسمية والنقابية. طبعا، لم تلاق اي استجابة بسبب ارتباطها بزعامات وقيادات لها اجندات مختلفة عن مصلحة البلاد ولا داعي الدخول فيها. المهم أن الطبقة السياسية بأكملها اهملت المذكرة التي أعدّها المنتدى، شاركنا في إعدادها، والتي مضى عليها أكثر من خمس سنوات (2021). التشخيص لبنية الاقتصاد اللبناني أوجب الحلول اللازمة ليس للاصلاح فحسب بل للتغيير في البنية الاقتصادية والاجتماعية وبطبيعة الحال في ارتداداتها السياسية التي تناقضت مع الموروث السياسي منذ الاستقلال في 1943.
لن نسترسل في شرح البنية الاقتصادية التي سيطر عليها الطابع الريعي المالي وعلى حساب القطاع الانتاجي وحالة الانكشاف تجاه الخارج في كل حاجيات الكيان متجاهلة مقولة جبران خليل جبران في “حديقة النبي” : “ويل لامة تأكل ما لا تزرع وتلبس ما لا تنسج….الخ”!!! انصب الاهتمام على معالجة عدّة قضايا أولها استقرار سعر الصرف، وثانيا إعادة هيكلة الدين العام، وثالثا إعادة هيكلة القطاع المصرفي في شقيّه العام والخاص، وإيجاد هيئة تخطيطية لتحويل الاقتصاد اللبناني إلى اقتصاد انتاجي في الزراة والصناعة والتكنولوجيا على سبيل المثال، وعلى إيجاد نظام ضرائبي يوفّر العدالة الاجتماعية عبر تمويل الخدمات الاجتماعية. والمهم هنا أن إعادة البناء الاقتصادي لم تستوجب الاتكال على تمويل خارجي ولا حتى على عائدات مستقبلية لقطاع النفط والغاز.
كما أكدّت المذكرة على ضرورة مراجعة الخيارات في التوجّهات الجغرافية السياسية وحثّت على التوجّه شرقا والتشبيك الاقتصادي مع الدول العربية في بلاد الشام وبلاد الرافدين بما فيها فلسطين المحرّرة قريبا.ففيما يتعلّق بإعادة هيكلة الدين العام فمن الواضح أنها أزمة مزدوجة تطال أيضا القطاع المصرفي الذي كان الاداة التنفيذية لعملية السطو. فهي تعكس من جهة سلسلة قرارات سياسية ولكن ببعد مالي واضح كما أنها تعكس رؤية مستقبلية للسلطة مبنية على أوهام ورغبات وليس على قراءة موضوعية للواقع. فالتحوّل المطلوب من لبنان في بداية حقبة الطائف هو التحضير لسلام في المنطقة يتجاوز الاحتلال الصهيوني للبنان ويتجاهل قضية فلسطين. هذا الوهم انهار بعد اتفاقات مدريد واوسلو في اغتيال اسحاق رابين في 1995. لكن القيادة السياسية في لبنان المرتبطة بالغرب بشكل عام لم تستوعب ذلك التحوّل الذي نسف فرضية السلام. إلاّ أن السلطة استمرت في سلسلة قرارات اقتصادية جعلت من لبنان دولة ريعية مبنية على الدين العام والفوائد.
كانت عملية “بونزي” بامتياز حيث أصبح الدين وسيلة لتسديد الدين السابق وخاصة لخدمة الفوائد غير الشرعية الربوية بامتياز.التقديرات الاولية لعملية السطو التي بدأت 1993 حتى انفجار الوضع الاقتصادي تقارب 200 مليار دولار على مدى30 سنة، اي بمعدل 7 مليارات سنويا تقريبا، وهذا يدلّ على أن لبنان “غني” وليس بحاجة لتمويل خارجي أو الاتكال على النفط والغاز! المهم هنا أن إعادة هيكلة الدين العام مبنية على ذلك الدين بمعظمه يصنّف بالدين الشنيع الذي لا قاعدة قانونية له رغم موافقة المجالس النيابية المتتالية بشكل مباشر أو غير مباشر. فلم تكن أي مساءلة أو محاسبة لفلسفة الدين العام وخاصة للفوائد الباهظة التي رافقتها والتي كانت فاقدة لأي منطق. والحجة التي روّجتها السلطة آنذاك هي لاستجلاب الرساميل.
لكن كيف يمكن للرساميل ان توظف وتعطي مردودا يفوق مردود الفوائد على سندات الخزينة؟ ولماذا اُعتبر ان القطاع المصرفي سيعتمد سياسة اقراض المشاريع بفوائد مرتفعة وتحمّل مخاطرات تنفيذ المشروع طالما البديل عن ذلك هو شراء سندات الخزينة بفوائد مرتفعة دون أي تعب؟ ولماذا لم تتسائل المصارف كيف سيتم تسديد الدين العام والفوائد المرتفعة وامكانيات الدولة محدودة؟ وهل كان هدف الفوائد المرتفعة منع الاستثمار في القطاعات الانتاجية وجعل لبنان منكشفا للاستيراد الخارجي لكافة حاجاته؟ في مطلق الاحوال اسفرت تلك عملية السطو تحويل المال العام إلى المحفظات الخاصة وذلك على حساب المواطنين والاقتصاد الوطني.المهم هنا هو أن اقتراح إعادة هيكلة الدين العام يتضمن توزيع العبء على من استفاد من ذلك الدين كمبدأ وذلك يعود للقطاع المصرفي الذي وظّف معظم محفظته المالية في سندات الخزينة خلافا لمبدأ توزيع المخاطر على عدد كبير من القطاعات الاقتصادية والمالية. كما أن لا بد من شطب الدين العائد لخدمة الفوائد التي لم تكن في أي يوم شرعية بل مخالفة للقانون.
والمبدأ الثالث لإعادة هيكلة الدين تفرض إعادة هيكلة القطاع المصرفي. ألا أن تلك الحلول لم تلق أذانا صاغية فتفاقمت الامور حتى وصلت إلى مرحلة رفض المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي المساعدة طالما الحد الادنى من الاصلاحات في الاداء والمساءلة والمحاسبة لم يتحقق. لذلك اصبح الفساد والجهل بين القيّمين على السلطة وفي القطاع المصرفي سبب الكارثة الاقتصادية وبالتالي الاجتماعية التي أصابت لبنان واللبنانيين. ومازالت حتى الساعة تسيطر عقلية المحاصصات لتوزيع “الغنيمة” بين القيّمين على السلطة وعدم ملاحقة أي مسؤول مصرفي عن أموال المودعين. لقد قدّم المنتدى الاقتصادي سلسلة من الندوات والاقتراحات للخروج من الكارثة لكن بات واضحا أن لا حياة لمن تنادي!التغيير الاساسي في رأينا يكمن في إعادة النظر في الخيارات الاستراتيجة والسياسات الناتجة عنها. لكن ذلك يتطلّب إرادة غير موجودة ضمن الطاقم الحاكم وحتى بين معظم مكوّنات النخب السياسية المسيطرة على المشهد السياسي في لبنان. التغيير الاقتصادي لن يحصل إلاّ بعد التغيير السياسي وهذا رهن المعادلات الاقليمية والدولية التي ستستتب بعد أن تضع الحرب أوزارها في غرب آسيا. وسينورياهات التغيير السياسي متعدّدة وفقا لطبيعة المشهد السياسي الاقليمي والدولي. فانتصار جبهة المقاومة سيرسم مشهدا سياسيا في لبنان يختلف عما هو عليه الآن وإن كانت قناعتنا أن النخب السياسية في لبنان ستتكيّف مع الواقع الجديد. لكن عليها أن تعالج التغيير السكّاني في لبنان شاءت أم أبت وأن المعادلات الداخلية لا بد من أن تعكس التوازنات الجديدة التي بدت ملامحها واضحة. فحقبة المحصاصة لم تعد قابلة للحياة وستأخذ أشكالا مختلفة عمّا هي اليوم وإن كانت بعض الوجوه من الوجوه الحالية/القديمة.
المسألة التي ستفرض حالها على النخب الحاكمة هي ضرورة وحتمية التشبيك الاقتصادي مع دول الجوار. لم يعد ممكنا تصّور بنية اقتصادية في لبنان خارجة عن مفهوم التشبيكل المؤسسي وهذا يعني أن النخب الحاكمة يجب أن تأتي بطاقات وخبرات اقتصادية وتقنية وسياسية في آن واحد. وهذه الخبرات لن ترضى أن تكون تحت وصاية من لا كفاءة ولا خبرة في القضايا المصيرة وإن كان موقعها السياسي في المعادلات الداخلية اللبنانية مرموقا. فمن الواضح أننا سنشهد صراعا بين قوى سياسية جديدة ليست مرتبطة بالمعادلات الطائفية التقليدية بل بقوانين العلم والضرورات السياسية الاقليمية.
يبقى السؤال المفصلي والذي من الصعب الاجابة عليه في هذه الظروف، وهو من هي القوى التي ستقوم بالتغيير ترجمة للتحوّلات في المعادلات الاقليمية والدولية. نترك الاجابة لمقاربة منفصلة لانها تستحق نقاشا بالعمق وبعيدا عن المهاترات المعهودة في الفضاء السياسي اللبناني.
