نبيل الجمل-اليمن

في قلب الوجع النابض من أرض فلسطين، لا تزال غزة الصابرة تعيش فصول مأساة إنسانية تفوق بحجمها وقسوتها كل الكلمات.

إن ما يشهده القطاع من قصف متواصل، وقتل ممنهج، وتجويع مقصود، وحصار خانق أدى إلى شلل تام في جميع الخدمات العامة وخاصة القطاع الصحي، يمثل ذروة التوحش والدمار.

إنها سياسة تهجير وتخريب وتوغل سافر تجري فصولها الدامية على مرأى ومسمع من عالم يدعي الإنسانية لكنه يقف صامتًا أمام أطفال ونساء وشيوخ باتوا بلا مأوى، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، وفي ظل معاناة آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين يواجهون أبشع صنوف التعذيب داخل السجون.

وسط هذا الظلام الدامس، يلوح في الأفق حراك دبلوماسي مستمر، حيث توصل الوسطاء خلال اجتماعات القاهرة الأخيرة إلى توافقات جديدة بشأن ملف وقف إطلاق النار في غزة، في محاولة لوقف نزيف الدم النازف.

وفي سياق هذه الجهود، غادر وفد حركة حماس برئاسة خليل الحية القاهرة متوجهًا إلى الدوحة لتقديم واجب العزاء، قبل الانطلاق إلى تركيا لعقد لقاءات مصيرية تتناول مقترحات الوسطاء بشأن ملف السلاح، بالإضافة إلى بحث ملف الانتخابات الفلسطينية المقبلة وانتخابات رئاسة المكتب السياسي للحركة.

وعلى الصعيد السياسي الدولي، تقف المقاومة بالمرصاد لكل المحاولات التي تهدف إلى شرعنة الاحتلال؛ وفي هذا السياق نددت حركة حماس بالاتفاق المبرم بين الكيان الإسرائيلي والحكومة الكولومبية المقبلة بشأن استئناف العلاقات الدبلوماسية وفتح سفارة لها في القدس المحتلة. واعتبرت الحركة هذا القرار خطوة غير مسؤولة وتعديًا صارخًا على حقوق الشعب الفلسطيني، وتراجعًا مؤسفًا عن مواقف الشعب الكولومبي التاريخية الداعمة للقضايا العادلة.

كما طالبت الحركة الحكومة الكولومبية المقبلة بالتراجع الفوري عن هذا القرار، لعدم منح حكومة نتنياهو غطاءً دبلوماسيًا أو دعمًا سياسيًا في ظل ما ترتكبه من جرائم وحشية بحق المدنيين العزل.وفي مقابل غطرسة القوة وسياسة التوغل الجغرافي، يخرج قادة الاحتلال بتبجح ليعلنوا فرض واقع جديد؛ إذ صرح قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، اللواء آفي بلوت، من على حدود القطاع مدعيًا أن تهديد التسلل من غزة لم يعد ممكنًا، زاعمًا أن أكثر من 60% من مساحة القطاع باتت تحت سيطرتهم، وأن هناك منطقة أمنية تحمي بلدات الغلاف وتتولى تأمينها فرقتان عسكريتان.

لكن التاريخ والمستقبل لا يصنعهما منطق القوة الباغية، بل تصنعهما إرادة الشعوب الحرة. وبرغم الألم والدمار، وبفضل صمود الأحرار الأسطوري في غزة وفلسطين، وثبات المقاومة والمجاهدين في الميدان، فإن هذه الغمة ستزول حتمًا عن أهلنا الصابرين.

إن دماء الشهداء وأنات الأمهات هي الوقود الذي سيحرق أوهام الطغاة، وكما رحلت جيوش الاستعمار الغربي من قبل عن كل شبر في الدول العربية والإسلامية مدحورة، سيرحل هذا الكيان طال الزمن أم قصر، لتعود فلسطين حرة أبية لأصحابها الحقيقيين.