منذ الإعلان عن مشروع قانون الإعلام الجديد في لبنان، لم يتوقّف هاتفي عن الرنين. زملاء صحافيون أعرفهم، وآخرون لم ألتقِ بهم يوماً، ورؤساء تحرير، وناشطون، وأصدقاء، جميعهم يسألون السؤال ذاته: هل قرأتِ المادة 63؟
لم يكن الحديث عن تفسير قانوني بقدر ما كان بحثاً عن إجابة لسؤال أكبر: ماذا تعني هذه المادة لمن يعيش أصلاً على هامش الحقوق؟ وأعني هنا اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.
أغلقت الهاتف دقائق لأمنح نفسي وقتاً لقراءة المادة. قرأتها بصفتي صحافية فلسطينية، لا بصفتي مواطنة تحمل الجنسية اللبنانية. ومع قراءة كلّ حرف، والتوقّف عند كلّ كلمة، شعرت بأنّني لا أقرأ قانوناً، بل أقرأ خاتمة لحياتي المهنية.
تقول المادة إنّ المسؤول عن الموقع الإلكتروني يجب أن يكون صحافياً لبنانياً يتمتّع بحقوقه المدنية والسياسية. تبدو العبارة، للوهلة الأولى، شكلية، لكنها بالنسبة إلى كثيرين تعني إغلاق الباب أمام تولي المسؤولية، مهما بلغت خبرتهم وكفاءتهم واجتهادهم وإسهامهم في الإعلام.
لسنوات، وأنا أعمل في الصحافة، لم أسأل نفسي إن كانت هُويّتي ستقف يوماً بيني وبين مهنتي. كنت أؤمن بأنّ ما أكتبه هو هُويّتي الحقيقية. وهنا أنسب هذا الفضل إلى مؤسسة العربي الجديد، التي لم تُشعرنا يوماً بأنّ للصحافي هُويّة تُميّزه عن غيره، بل كنا جميعاً فريقاً في خدمة الكلمة وحرية الإنسان.
لكن اليوم، وأنا أقرأ المادة 63، أطرح سؤالاً، بل إشكالية: هل يصبح تنظيم المهنة أكثر عدالة عندما يُقصى منها أشخاص بسبب هُويّتهم، لا بسبب كفاءتهم؟
لا أكتب هذا لأنّني أرفض أو أعارض حقّ الدولة في تنظيم قطاع الإعلام، أو في وضع ضوابط قانونية للمهنة. على العكس، نحن أوّل من يُطالب بقوانين تحمي الصحافيين وتُحافظ على كرامتهم وحقوقهم، لكن الاعتراض هنا هو على الإقصاء بسبب الهُويّة.
مع العلم أنّ الفلسطيني في لبنان لم يكن يوماً غريباً عن غرف الأخبار. كتب التقارير، وغطّى الحروب، ونقل قصص الناس والأزمات والانتخابات، وشارك في صناعة ذاكرة هذا البلد، وبعضهم دفع ثمن الكلمة من أمنه وحريته، لكن في كلّ مرّة يظنّ أنّه اقترب من نيل بعض حقوقه الإنسانية، يكتشف نصاً قانونياً يخرجه من قلب الخبر ويُعيده إلى زاوية الإقصاء.
يُعاود هاتفي الرنين، وكلّما ازداد عدد الاتصالات، عادت إلى ذاكرتي أسماء صنعت الصحافة، ليس في لبنان فقط، بل في منطقتنا العربية. تذكّرت غسان كنفاني، الذي حمل قلماً جعل الاحتلال يخشاه، وتذكّرت سمير قصير، الذي خسر حياته بسبب كلمة حرية، لم يسأل تاريخ الصحافة عن جنسية من كتبا، بل عن شجاعتهما، لهذا بدت هذه المادة مؤلمة إلى حدّ النفي؛ لا تناقش حرية الصحافة، بقدر ما تناقش هُويّة الصحافي.
مادة مؤلمة إلى حد النفي؛ لا تناقش حرية الصحافة، بقدر ما تناقش هُويّة الصحافي
في المساء، استجبت لإحدى الرسائل التي وصلتني من زملائي الصحافيين الفلسطينيين، وذهبت للقائهم في مخيم برج البراجنة، لمناقشة هذه المادة وتأثيرها في مستقبلهم المهني.
تحدّثنا في حدود قدرتنا واستطاعتنا على التغيير. لم يقترب النقاش من المُطالبة بإسقاط المادة، بل تجمّعنا حول فناجين الشاي الزجاجية، وخاطب بعضنا بعضاً بصفة “رفيق” و”رفيقة”. سردنا تجاربنا في هذه المهنة، وضحكنا على مأساتنا، وكيف تركتنا “أونروا” والسلطة الفلسطينية وحدنا. وحتى لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني لم يقترب حديثنا من دورها، لعلمنا أنّنا، كعادتنا، تُركنا وحدنا. شجبنا المادة بأشدّ العبارات، وختمنا اللقاء بضرورة الكتابة عن هذه القضية، كلٌّ من موقعه، وفي المؤسسة التي يعمل بها، ثم غادرنا المكان.
وها أنا أكتب عن المادة، وإلى جانبي نسخة من مقترح القانون، وفي داخلي شعور بالمظلومية الفلسطينية، وإحباط من القوانين اللبنانية، وقليل من الأمل في مهنة ستطهّر نفسها، وتحمي حُماتها، وتبقى وفية للكلمة.
صمود غزال/العربي الجديد
