تصنيف أم استهداف؟ قراءة في القرار البريطاني ضد الحرس الثوري
رسول حسين ابو السبح
لا يمكن النظر إلى القرار البريطاني الأخير القاضي بتصنيف الحرس الثوري الإيراني بوصفه مجرد إجراء أمني أو خطوة إدارية عابرة، بل هو موقف سياسي بامتياز يعكس طبيعة العلاقة المتوترة التي تحكم تعامل الغرب مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ عقود، فحين تتحول مؤسسة عسكرية رسمية تابعة لدولة ذات سيادة إلى هدف للتوصيفات السياسية والأمنية، يصبح من حق المراقب أن يتساءل عن المعايير الحقيقية التي تحكم مثل هذه القرارات، وعن الحدود الفاصلة بين مقتضيات الأمن ومتطلبات الصراع السياسي.
لقد اعتاد الغرب على تقديم نفسه بوصفه الحارس الأول للقانون الدولي والمدافع الأبرز عن مبدأ سيادة الدول، إلا أن الوقائع المتكررة تكشف أن هذه المبادئ غالبًا ما تخضع لحسابات المصالح والتحالفات السياسية، فعندما يتعلق الأمر بدول حليفة للغرب، تصبح مفاهيم السيادة وعدم التدخل واحترام المؤسسات الوطنية خطوطًا حمراء لا يجوز المساس بها، أما عندما يتعلق الأمر بدول تختلف مع السياسات الغربية أو تتبنى خيارات مستقلة، فإن هذه المبادئ ذاتها تصبح قابلة للتأويل والتجاوز.
وفي هذا السياق يأتي القرار البريطاني ضد الحرس الثوري الإيراني، ليس باعتباره موقفًا قانونيًا محايدًا، وإنما جزءًا من سياسة الضغط المتواصلة التي تستهدف إيران على المستويات السياسية والاقتصادية والإعلامية، فالحرس الثوري، سواء اتفق المرء مع سياساته أو اختلف معها، يبقى جزءًا من المنظومة العسكرية الرسمية لدولة عضو في الأمم المتحدة، ويتولى مهامًا ترتبط بالأمن القومي والدفاع الوطني وفقًا للقوانين النافذة في بلاده، ومن هنا فإن التعامل معه خارج هذا الإطار يفتح الباب أمام تساؤلات قانونية وسياسية يصعب تجاهلها.
الأكثر إثارة للانتباه أن هذا القرار يأتي في مرحلة تشهد فيها المنطقة مستويات غير مسبوقة من التوتر والاضطراب، فبدلًا من العمل على تخفيف الاحتقان وفتح مسارات للحوار، تمضي بعض القوى الغربية في اتخاذ خطوات من شأنها تعميق الانقسامات وإضافة أسباب جديدة للتصعيد، وكأن المطلوب ليس معالجة الأزمات، بل إدارة الصراعات و إبقاؤها مفتوحة بما يخدم أجندات ومصالح محددة.
إن المشكلة الأساسية في السياسة الغربية تجاه المنطقة ليست فقط في طبيعة القرارات التي تتخذها، بل في فقدانها المتزايد للمصداقية الأخلاقية أمام الرأي العام العالمي. فمن الصعب إقناع الشعوب بعدالة المعايير الدولية في وقت تُدان فيه أطراف ويُغض الطرف عن أطراف أخرى، وتُرفع شعارات حقوق الإنسان في ملفات معينة بينما تُهمل في ملفات أخرى أكثر مأساوية وأشد وضوحًا.
لقد أصبح العالم أكثر وعيًا من أي وقت مضى بحقيقة أن النظام الدولي لا يُدار دائمًا وفقًا للقيم التي يعلنها، بل كثيرًا ما تحكمه اعتبارات القوة والنفوذ والمصلحة، ولهذا فإن القرارات التي تصدر تحت عناوين أمنية أو قانونية لا تُقرأ بمعزل عن خلفياتها السياسية، ولا عن البيئة الدولية التي أنتجتها.
ولا شك أن إيران ستتعامل مع القرار البريطاني بوصفه حلقة جديدة في سلسلة الضغوط الغربية عليها، وهو ما سيزيد من تعقيد العلاقات بين البلدين ويعمّق فجوة الثقة القائمة أصلًا، أما الخاسر الأكبر من استمرار هذه السياسات فهو الاستقرار الإقليمي الذي يحتاج اليوم إلى جسور للحوار أكثر مما يحتاج إلى قوائم جديدة من التصنيفات والاتهامات.
إن احترام القانون الدولي لا يكون بالانتقائية، كما أن الدفاع عن السيادة لا يكتسب قيمته إلا عندما يُطبَّق على الجميع دون استثناء، أما حين تتحول المبادئ إلى أدوات تستخدم ضد الخصوم وتُعطَّل أمام الحلفاء، فإنها تفقد معناها الأخلاقي والسياسي معًا.
من هنا، فإن القرار البريطاني الأخير لا يبدو مجرد موقف تجاه مؤسسة عسكرية إيرانية، بل يمثل نموذجًا جديدًا لأزمة أعمق تعاني منها السياسة الغربية المعاصرة، أزمة التناقض بين الخطاب والممارسة، وبين المبادئ المعلنة والواقع العملي، وفي عالم تتراجع فيه الثقة بالمنظومات الدولية التقليدية، تصبح هذه التناقضات أكثر وضوحًا وتأثيرًا من أي وقت مضى.
