تصريحات الفيلسوف والمفكر الجيوسياسي الروسي ألكسندر دوغين دائمًا ما تتجاوز ظاهر الأحداث لتغوص في ما يسميه “الجيوسياسية العميقة”. في هذا التصريح، يقدم دوغين قراءة سيكولوجية وسياسية بالغة التعقيد لسيناريو “الموت المفاجئ” للسيناتور ليندسي غراهام، محولاً الحدث من سياقه الطبيعي أو الفردي إلى أداة ضغط استراتيجية كبرى تستهدف صانع القرار الأول في البيت الأبيض: دونالد ترامب.
لتحليل هذا التصريح، يجب تفكيكه إلى ثلاثة أبعاد رئيسية:
يستبعد دوغين بشكل قاطع فرضية وقوف إيران وراء الحدث، ويتجه مباشرة نحو “الموساد” الإسرائيلي. هذا التوجه يلخص رؤية دوغين التقليدية للمنطقة، والتي تقوم على القواعد التالية:
صناعة الذرائع (False Flag): يرى دوغين أن القوى التي ترغب في تغيير الشرق الأوسط جذرياً تحتاج إلى “صدمة” تدفع الإدارة الأمريكية (المترددة في دخول حروب استنزافية جديدة) إلى حافة الهاوية.
الضغط عبر الاغتيال الاستراتيجي: وفقاً للتحليل، فإن الهدف ليس التخلص من غراهام كشخص، بل استخدام موته كرافعة سياسية لإحراج ترامب وإظهار إيران بمظهر المعتدي الجريء، مما لا يترك لترامب خياراً سوى الرد العسكري الشامل لحفظ هيبة أمريكا وهيبته الشخصية.
استخدام دوغين لوصف غراهام بأنه “ظل ترامب ونسخته السوداء” هو توصيف في غاية الذكاء السياسي:
الصقور والبرجماتية: ليندسي غراهام كان يمثل الجناح التقليدي “المحافظ الجديد” (Neoconservative) في الحزب الجمهوري، وهو الجناح الأكثر تشدداً ودعماً للتدخلات العسكرية. في المقابل، يمثل ترامب تيار “أمريكا أولاً” الانعزالي والبرجماتي.
الرابط العضوي: رغم هذا الاختلاف، نجح غراهام في تحويل نفسه إلى مستشار مقرب لترامب وظلٍ له في السياسة الخارجية. وصفه بـ “النسخة السوداء” يعنى أن غراهام كان يمثل الجانب الأكثر هجومية وعدوانية في معسكر ترامب، وتصفيته تعني ضرب هذا التوازن وتجريد ترامب من حلقة الوصل بينه وبين الصقور.
3. رسالة الترهيب السيكولوجي: «أنت التالي»
هذا هو الجزء الأكثر إثارة في التصريح. يرى دوغين أن الرسالة الموجهة لترامب ليست سياسية فحسب، بل هي رسالة تهديد وجودي مباشر:
”إذا كان بإمكان القوى العميقة الوصول إلى ظلك وأقرب حلفائك، فإن حصانتك كرئيس ليست مطلقة.”
وفقاً لهذا المنظور، تعيش الإدارة الأمريكية صراعاً داخلياً خفياً بين رغبة ترامب في تجنب الحروب الكبرى، ورغبة أطراف إقليمية ودولية (داخل ما يسمى بالدولة العميقة والموساد) في جره إلى مواجهة مباشرة مع طهران. الرسالة هنا هي: إما أن تقود الحرب التي نريدها، أو ستكون الضحية القادمة لهذا الصراع.
يندرج تصريح ألكسندر دوغين ضمن “الحرب النفسية والتحليل الوجودي”؛ فهو لا يستند بالضرورة إلى أدلة استخباراتية بقدر ما يستند إلى فلسفته الخاصة التي ترى العالم كساحة صراع بين “العولمة العميقة” والقوى السيادية.
من خلال هذا التحليل، يسعى دوغين إلى تحذير ترامب من الانصياع للضغوط التي قد تفرضها عليه الدوائر الداعمة لإسرائيل، ويصوّر ترامب كهدف محتمل لنفس القوى التي يرى أنها هندست مشهد غياب غراهام المفاجئ. النتيجة الحتمية حسب التصريح هي أن واشنطن قادمة على فترة من عدم الاستقرار الشديد، حيث تصبح القرارات السياسية الكبرى تُتخذ تحت وطأة التهديد والاغتيالات، وليس خلف الطاولات الدبلوماسية.
د. نبيلة عفيف غصن
