ما نراه اليوم من مجازر ممتدة وتدمير ممنهج في فلسطين ولبنان، واستهداف لعمق المنطقة الإقليمي، لا يمكن فهمه كصراع سياسي عابر على الحدود أو المصالح الجيوسياسية الضيقة. إننا نواجه صداماً وجودياً حتمياً بين حقيقتين متناقضتين: حقيقة المجتمع الأصيل الساعي إلى الحياة والسيادة فوق أرضه الطبيعية، وحقيقة “تنين الفناء” الاستعماري الذي يهدف إلى سحق الوجدان الجمعي وتذويب الروابط الإنسانية التي توحد أبناء هذه البيئة.
هذه الحرب هي التعبير الأقصى عن تحالف قوى الهيمنة الخارجية مع العقائد العنصرية الاقتلاعية، وهي تُدار بعقلية إلغائية ترى في إنسان هذه الأرض عائقاً ديموغرافياً وجغرافياً يجب إزالته لتمكين الكيان الصهيوني والتحكم في مقدرات البيئة الطبيعية الحاضنة لنا.
تفكيك جبهة الأعداء: القوى المحركة للتنين الاستعماري
إن المنظور التحليلي العميق يرى أن “الثالوث المظلم” الذي يشن هذه الحرب ليس مجرد تحالف اقتصادي عابر، بل هو التجسيد الفعلي لمنظومة فكرية متكاملة تلتقي جبهاتها على هدف واحد وهو إلغاء وجودنا وتفتيت بنيتنا المجتمعية:
العنصرية الإقصائية للكيان الصهيوني: حركة استيطانية غريبة تقوم على مفهوم “النقاء العرقي” والادعاءات الهوياتية الزائفة. إنها النقيض التام لـ “المجتمع الموحد المتكامل”، حيث تسعى لطرد أصحاب الأرض التاريخيين وإحلال جماعات بشرية مستوردة على أساس ديني وعنصري، معتبرة أن إبادة المجتمع وسحقه فعل مشروع لإقامة واقعها المصطنع.
الخلط الديني-السياسي (المثيولوجيا وتوظيف الغيبيات): يمثل هذا المحور إقحام الدين في شؤون السياسة وإدارة المجتمعات، وهو أكبر خطر يفتت وحدة النسيج الإنساني. توظيف النبوءات الغيبية وأساطير “نهاية الزمان” لتبرير سفك الدماء يعكس انحطاطاً فكرياً يفرغ القيم الروحية من جوهرها ويحولها إلى أداة لشرعنة المذابح وقصف المدارس والمستشفيات.
الرأسمالية الاستعمارية (النيوليبرالية الافتراسية): هي الوجه المادي للاستعمار الحديث، حيث تلتقي مصالح الشركات العابرة للقارات ومصانع السلاح مع العقيدة الاستيطانية. بالنسبة لهذا الفكر، فإن مجتمعاتنا ليست سوى أسواق للاختراق، وأرضنا مجرد مخازن للموارد وخطوط تجارة، وإنساننا مجرد مادة استهلاك فائضة، مما يبرر لديهم ممارسة “رأسمالية الكوارث” لجني الأرباح من فوق الأنقاض.
حقيقة الصراع: إن المواجهة الراهنة ليست صراعاً بين أديان أو طوائف، بل هي معركة وجودية بين المجتمع الإنساني الطبيعي الموحد وبين عقيدة عنصرية دينية إقصائية تريد فرض واقع اصطناعي بقوة السلاح وإبادة البيئة الحضارية للمنطقة.
هندسة سحق الروح وفخ الكيانات المصطنعة
إن الاستراتيجية التي يعتمدها العدو اليوم، والتي تسمى “فخ التصعيد الدائم”، تهدف في عمقها الفلسفي إلى كسر الإرادة الجمعية وإيصال المجتمع إلى حالة من اليأس الوجودي. العدو يرتكب جرائم تفوق الوصف البشري بشكل علني ومصور ليوجه رسالة سيكولوجية مفادها أن مقاومة مشروعه عبثية، وأن الاستسلام هو الخيار الوحيد.
تاريخياً، نجح الاستعمار في تمزيق وحدتنا الجغرافية والاجتماعية عبر اتفاقيات التقسيم وزرع الكيانات الطائفية والمصطنعة لتبديد القوة الكامنة في المجتمع الواحد. واليوم، تستثمر النخب الحاكمة في الغرب وفي الكيان الصهيوني هذا التفتيت؛ فهم يعلمون أن تجزئة المجتمع إلى طوائف وهويات فرعية متناحرة هي الثغرة الأساسية التي تسمح بتمرير حرب الإبادة دون رادع جامع يمثل إرادة المصلحة العامة الفوق-طائفية.
الوعي المجتمعي هو القوة: إن ضعف الوعي بالحقيقة المشتركة لوحدة الحياة والمصير، والارتهان للإرادات والتمويلات المشروطة، هو الذي يترك أجزاء المجتمع عاجزة عن مواجهة التنين بشكل موحد. المعركة أولاً هي معركة وعي بالذات وبالمصلحة العليا الثابتة.
الانفصام بين إرادة الشعوب وفساد النظم النيوليبرالية
يتضح الانفصام اليوم بين الوجدان الإنساني العام والقواعد الشعبية في العالم التي ترفض المجازر، وبين النخب النيوليبرالية والسياسية المستفيدة من استمرار محرقة الشرق الأوسط. الحكومات الغربية المحكومة برأس المال واللوبيات الداعمة للكيان الصهيوني تضرب بعرض الحائط إرادة شعوبها وتستمر في ضخ السلاح والتمويل اللازمين للاستمرار في الإبادة.
هذا يؤكد أن الأنظمة السياسية السائدة في الغرب باتت واجهات مشوهة لسيطرة الاحتكارات المالية الكبرى والشركات الأمنية، حيث لا قيمة للإنسان أو الأخلاق أمام لغة الأرقام وأسعار النفط وحركة الأسهم العالمية. هذه النخب لا تنتمي لبيئة أو وطن، بل هي شبكات عابرة للحدود في تدميرها وافترسها للمجتمعات الحية.
طريق الخلاص: الوعي الجمعي وفعل المقاومة المنظمة
إن الخلاص من هذا الفناء الممنهج لا يمكن أن يتحقق بالاستجداء أو بالاعتماد على “المجتمع الدولي” الذي هو نفسه أداة بيد الهرم الاستعماري. المخرج الوحيد هو في صياغة وعي فكري مجتمعي شامل يعيد بناء الإنسان والمجتمع على أسس من المعرفة والوحدة والقوة الذاتية.
إن مواجهة هندسة الفناء تتطلب خطوات حاسمة:
.1 إسقاط الحواجز النفسية والطائفية: الوعي بأن مصيرنا كمجتمع متكامل في فلسطين ولبنان والشام والعراق هو مصير واحد، وأن دماء الأطفال تسفك من نفس الوريد ولنفس الهدف الاستعماري الإلغائي.
.2 الفصل التام للدين عن الدولة والمجتمع السياسي: لمنع الأعداء من استغلال التناقضات الطائفية والمذهبية لتفتيت جبهة المقاومة الداخلية وضرب التماسك المجتمعي.
.3 تنظيم القوة المادية والروحية: إدراك أن الحق الفلسفي أو التاريخي لا يكون فاعلاً في عالم الواقع إلا إذا دافعت عنه القوة المنظمة؛ فالقوة هي القول الفصل في إثبات الوجود أو الاندثار.
الالتحام الوجودي: إننا لا ندافع عن تراب وعقارات معزولة، بل ندافع عن حق مجتمعنا في الحياة والارتقاء الإنساني الحُر. وفي مواجهة هندسة الفناء، تصبح وقفة العز المنظمة والواعية، القائمة على التمسك بالحياة الحرة الكريمة، هي القانون الوحيد الصالح لتحقيق الانتصار والبقاء وتثبيت السيادة فوق أرضنا.
د. نبيلة عفيف غصن
