مقدمة: حتمية التحول الإمبراطوري وسقوط قناع الجنوب
​في القراءة الاستراتيجية العميقة للحقائق الجيوسياسية في الهلال الخصيب، تبرز حقيقة ثابتة: إن الإمبريالية العالمية لا تقيم وزناً لأدواتها إلا بقدر صلاحيتها للخدمة. وما نشهده اليوم من تحولات تكتونية متسارعة ليس مجرد هفوات سياسية، بل هو مخطط إمبراطوري لتبديل الأقنعة وتغيير الأدوات الوظيفية؛ فبعد أن تآكلت قدرة الردع لدى الإسفين الصهيوني المغروس في جنوبنا، واستُنزفت قوته بالكامل أمام صمود المقاومة وعنفوانها على مدار ثلاث سنوات من المواجهة الشاملة، سارعت واشنطن إلى التخلي عن اندفاعتها الصهيونية المباشرة، لتمسك بـ القفاز الطوراني التركي كوكيل إقليمي جديد قادر على إدارة مصالحها العابرة للحدود.
​في هذا السياق، يأتي المقال التحليلي للمحلل العسكري الصهيوني “ألون بن دافيد” في صحيفة معاريف بمثابة وثيقة اعتراف تاريخية بمرارة العجز. إن صرخة الخوف الصهيونية من الصداقة الأمريكية-التركية الجديدة، والتباكي على فقدان المبادرة، ليست سوى انعكاس مباشر للحظة التاريخية التي أدركت فيها واشنطن أن كلب حراستها التقليدي في تل أبيب لم يعد قادراً على حسم المعارك، فباتت الحاجة ملحة لتشغيل “العرّاب التركي” وبيادقه الممتدة في الشمال الشامي.
​1. تآكل الإسفين الصهيوني: ترامب يلقي بأدواته المنهكة
​يطرح بن دافيد مفارقة ساخرة حول غباء دونالد ترامب الذي يدير المنطقة بعقلية “الفيفا”، معتبراً أن محاولاته الفجة لفرض عفو عن نتنياهو وإهانة الرئيس الصهيوني إسحق هرتسوغ علناً ووصفه بـ “العار” هي جهل دبلوماسي.
​البراغماتية العارية: ترامب لا يتصرف بجهل، بل ببراغماتية إمبراطورية فجة تعكس النظرة الأمريكية الحقيقية للكيان الصهيوني؛ إنه مجرد أداة وظيفية انتهت صلاحية ردعها. حين يُهين ترامب قادة الكيان علناً، فهو يعلن انتهاء صلاحية “الاستثمار الصهيوني” المباشر بعد أن عجز جيش الاحتلال عن تحقيق أي حسم عسكري في الميدان.
​الاستسلام لقوانين الجغرافيا: اعتراف الكاتب بأن أي اتفاق قادم مع إيران لن يكون سوى “استسلام أمريكي مطلق” تبخرت معه وعود السحق الصهيونية، يثبت أن واشنطن باتت تبحث عن مخارج استراتيجية تحمي مصالحها العليا بعد تآكل هيبة ربيبتها تل أبيب تحت ضربات وصمود المحور.
​2. ارتداء القفاز الطوراني: بازار الـ F-35 وولادة “العرّاب” الجديد
​الأنباء الأكثر سوداوية التي نقلها بن دافيد من أنقرة حول صعود “المحور الإقليمي الجديد” بزعامة تركيا، تمثل النتيجة المباشرة لارتداء واشنطن القفاز الطوراني. إن الإفراج المفاجئ عن مقاتلات F-35 لتركيا لم يكن تطييباً لخاطر أردوغان، بل كان عملية تزييت لتروس صفقة قذرة؛ مقايضة كبرى تمنح فيها تركيا التفوق الجوي الإقليمي، مقابل اضطلاعها بدور “العرّاب” لإعادة هندسة المنطقة.
​لقد تيقنت الإمبريالية الأمريكية أن ذراعها الصهيونية أصيبت بالشلل في جنوب لبنان، فقررت نقل ثقل النفوذ إلى الطورانية التركية التي تتقن اللعب على حبال التناقضات، لتشكل محوراً يمتد من أنقرة والدوحة وصولاً إلى الأدوات الوظيفية المستحدثة في الشمال السوري.
​3. إعادة تأهيل الأدوات الوظيفية: فخ “الشرع” لتطويق جغرافيا المقاومة
​يبدي بن دافيد ندماً صهيونياً قاتلاً على تفويت فرصة التقارب مع “أحمد الشرع” (أبو محمد الجولاني) عندما تولى الحكم في دمشق أواخر عام 2024، معترفاً بأن غطرسة حكومته عمتها عن إدراك أن “مفتاح واشنطن بات في أنقرة”.
​الواقع الاستراتيجي يكشف أن “الشرع” لم يكن يوماً خياراً مستقلاً، بل هو الأداة الوظيفية الأكثر طواعية المقيدة بالقفاز التركي-الأطلسي. قيام تركيا اليوم ببناء ألوية الجيش السوري الجديد وتزويده بالعتاد ونشر منظومات رادار متطورة، هو التطبيق الحرفي لخطط الناتو (بمشاركة القوات الخاصة الأوكرانية) لإعادة تأهيل هذه العصابات الوظيفية.
​الهدف الإمبراطوري هنا واضح: بعد أن عجز الإسفين الصهيوني عن كسر المقاومة من جبهة الجنوب، يتم تجهيز “أدوات الشمال” لتنفيذ سيناريو الحزام العازل المسموم، واختراق السلسلة الجبلية الوعرة على الحدود السورية-اللبنانية للوصول إلى عمق المقاومة ومخازن سلاحها الاستراتيجي، في محاولة لتطويق الجغرافيا اللبنانية برمتها.
​4. فخ “الانسحاب من لبنان” وحرب الممرات الاقتصادية
​يصل بن دافيد إلى خلاصة تدعو إسرائيل للقبول بـ “انسحاب تدريجي” من لبنان والامتثال للمفاوضات بقلب مفتوح، معتبراً أن الاستثمار في الجيش اللبناني هو الساحة الوحيدة المتبقية للوقوف في وجه حزب الله.

​الاختراق السياسي المقنّع: عندما يعجز العدو عسكرياً نتيجة الإنهاك وأزمة النقص البشري الحادة في صفوفه، يتحول المخطط نحو تفعيل ثغرات مذكرات التفاهم (MOU) والرموز الأيديولوجية المأجورة داخلياً، لشرعنة دخول قوات مشبوهة بوجوه مغطاة تحت شعار “حماية الدولة”، وهو غطاء لتصفية سلاح المقاومة سياسياً.
​جيوسياسية الممرات وسقوط السماء: نشر الرادارات التركية في سوريا يسد رسمياً الأجواء أمام سلاح الجو الصهيوني نحو إيران، محجماً التفوق الجوي الإسرائيلي لصالح حماية الممرات التركية (محور طرابلس-حمص ومطار عكار الجديد) للسيطرة على غاز شرق المتوسط. الإمبريالية الأمريكية قدمت حرية الحركة الجوية الصهيونية قرباناً على مذبح صفقتها مع العرّاب الطوراني لتأمين خطوط الإمداد نحو أوروبا.
​يكشف مقال معاريف في جوهره عن حقيقة دامغة: الكيان الصهيوني غارق في صراعاته الداخلية، وتشريعات تملصه من الخدمة العسكرية، وأوهام سموتريتش حول تهويد التلال، في وقت يعاد فيه رسم الخارطة فوق رأسه. إن اعتراف بن دافيد النهائي بمرارة: “هناك حروب لا يمكن الانتصار فيها”، هو الصياغة العبرية لإعلان الهزيمة التاريخية أمام لغة الردع التي فرضتها المقاومة.
​إن إقدام الإمبريالية الأمريكية على تبديل أقنعتها والاستعاضة عن إسفينها الصهيوني المتآكل بالقفاز الطوراني التركي وأدواته الوظيفية، يأتي في لحظة ضعف هيكلي قاتل؛ حيث يستنزف ترامب احتياطي النفط الاستراتيجي الأمريكي (SPR) إلى أدنى مستوياته التاريخية لخفض الأسعار محلياً بشكل مصطنع قبل الانفجار الكبير.
​وفي المقابل، جاءت المشاهد المليونية الاستثنائية في شوارع عواصم المحور لتطلق رسالة رعب حاسمة: إن جغرافيا هذا الشرق النابض وعقيدته المقاومة لن تمرر صفقات البازارات الدولية ولا مذكرات التفاهم المسمومة. إن أي مغامرة لدفع بيادق أنقرة (كالجولاني) نحو جبال لبنان، أو أي محاولة صهيونية للهروب المتدرج من مستنقع الجنوب، لن تكون نزهة؛ بل ستكون الشرارة التي تفجر عروش الوكلاء والأصلاء معاً، وتغلق ممرات الطاقة الدولية بشكل نهائي، لتثبت هذه المقاومة أن تغيير الأقنعة الإمبراطورية لا يغير من حتمية مصير الغزاة: الاندحار الكامل وسقوط أوهام التهويد والعثمنة تحت أقدام المقاومين.
د. نبيلة عفيف غصن