معركة هرمز: حين يصبح المضيق ميزان القوى
د.نجيبةالمطهر
أن أعلنت طهران أن لا سفينة ستعبر مضيق هرمز إلا بإذن، تغيرت قواعد اللعبة في المنطقة. لم تعد المعركة محصورة في أزقة غزة أو تلال جنوب لبنان. انتقلت إلى قلب الشريان الذي يغذي العالم بالطاقة، وإلى حيث تتخذ واشنطن قراراتها المصيرية.
الرسالة الإيرانية واضحة ولا تحتاج إلى ترجمة: أمن الجمهورية الإسلامية وأمن المقاومة في فلسطين ولبنان خط واحد. من يريد إغلاق هذا الخط بالنار، فليتحمل إغلاق شرايينه الاقتصادية بالمقابل.
وما وصلنا إليه
بعد أكثر من عامين على طوفان الأقصى، وبعد أن فشلت كل محاولات كسر إرادة المقاومة في غزة، وبعد أن وجد الكيان الإسرائيلي نفسه محاصراً في جبهة الشمال، لم يعد أمام محور المقاومة خيار سوى نقل المعركة إلى حيث يؤلم العدو فعلاً.
أمريكا لا تفهم إلا لغة المصالح. وقد جربنا معها لغة البيانات والشجب فلم تجدِ. اليوم اللغة هي النفط. والنفط يمر من هنا. من مضيق لا يتجاوز عرضه 54 كيلومتراً، لكنه يحمل على ظهره 20% من نفط العالم وثلث الغاز المسال.
حين تقول إيران “لا عبور إلا بإذن” فهي لا تتحدث عن قرصنة. تتحدث عن سيادة. تتحدث عن حق دولة تتعرض لأقصى حصار في التاريخ أن تضع قواعد اللعبة في مياهها. وتتحدث عن معادلة ردع جديدة: أمن الملاحة مقابل أمن الشعوب.
هرمز والانسحاب من لبنان: معادلة واحدة
ما يجري في جنوب لبنان ليس منفصلاً عما يجري في الخليج. مذكرة التفاهم التي يتهرب منها العدو، وحدود الاشتباك التي يريد تثبيتها بالقوة، كلها أصبحت اليوم مرهونة بما سيحدث في هرمز.
المنطق بسيط: ما دام الاحتلال يرفض الانسحاب من النقاط الخمس في جنوب لبنان، وما دام يواصل عدوانه على غزة، فلا أمن لأي سفينة تخدم اقتصاده أو اقتصاد رعاته.
المحور يقولها بصوت واحد: انسحب من لبنان أولاً، أوقف الحرب على غزة أولاً، ثم تحدث عن حرية الملاحة. قبل ذلك، البحر ملك لمن يدافع عنه.
واشنطن بين خيارين أحلاهما مر
الأمريكي اليوم يقف أمام مأزق لم يواجهه منذ أزمة النفط في السبعينيات.
الخيار الأول: المواجهة العسكرية المباشرة. وهذا يعني إدخال أساطيله إلى فخ صواريخ ومسيرات دقيقة، في مياه ضيقة، أمام عدو يقاتل على أرضه. والنتيجة ستكون صور جنود أمريكيين يغرقون من أجل نفط لا يذهب حتى إلى أمريكا، بل إلى الصين والهند.
الخيار الثاني: الرضوخ للمعادلة الجديدة. الضغط على الكيان للانسحاب من لبنان، وقبول شروط وقف إطلاق النار في غزة. وهذا يعني اعترافاً عملياً بأن زمن الهيمنة الأمريكية المطلقة في المنطقة قد انتهى.
لا يوجد خيار ثالث. فالاقتصاد الأمريكي لا يحتمل نفطاً بـ 200 دولار. والشارع الأمريكي لا يحتمل جنازات جديدة في سنة انتخابية. والبنتاجون يعرف أن أي ضربة لطهران ستقابل بعشر ضربات تغلق المضيق ، الرسالة إلى الخليج
على دول الخليج أن تختار. إما أن تكون جزءاً من الحل عبر الضغط على واشنطن وتل أبيب لوقف العدوان، وإما أن تكون أول الخاسرين في حال أصرت على ربط أمنها بحاملة طائرات أمريكية.
النفط الذي يمر من هرمز هو نفطكم قبل أن يكون نفطنا. والاقتصاد الذي سينهار هو اقتصادكم قبل اقتصادنا. فمن الحكمة أن تقفوا مع من يضمن لكم الأمن، لا مع من يجلب لكم الخطر.
فمعركة هرمز ليست معركة بحرية. هي معركة إرادات. هي اللحظة التي يثبت فيها محور المقاومة أن القوة لا تقاس بعدد حاملات الطائرات، بل بقدرة الإنسان على تحويل نقطة ضعفه إلى نقطة قوة.
اليوم إيران لا تطلب شيئاً. إيران تفرض شروطاً. وتقول للعالم: من أراد أن يعبر فليعبر بإذن. ومن أراد النفط فليأتِ بالسلام.
وما بين الإذن والسلام، هناك معادلة جديدة اسمها: لا أمن للاحتلال إلا بأمن المنطقة كلها.
هذا هو الميزان الجديد. وهذا هو منطق الردع الذي أجبر واشنطن وتل أبيب على الاستماع أخيراً.
