هل تتحمّل “إسرائيل” كلفة الانسحاب من لبنان؟
حسن علاء الدين

تفاءل الكثير بعد توقيع مذكّرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران بقرب الانسحاب “الإسر/ئيلي” من لبنان، وعوّل آخرون على مسار واشنطن لتحقيق انسحاب جزئي يحفظ ما تبقّى من ماء وجه السلطة المبذول ويمنحها ورقة في وجه من تعاديه في الداخل اللبناني. ولكن الواقع على الأرض يخالف آمال الجميع ويشير إلى تمسّك “إسر/ئيلي” لا تراجع عنه في البقاء في الأراضي اللبنانية. وإذا فهمنا تداعيات الانسحاب من لبنان نفهم سبب التعنّت “الإسر/ئيلي” وسبب استحالة القدرة على اتخاذ قرار الانسحاب.

عقيدة جديدة تجبّ ما قبلها

لا يمكن التعامل مع التغير في العقيدة الأمنية “الإسر/ئيلية” كتفصيل في مسار تحليل المعطيات والأحداث في المنطقة. فبعد فشل العقيدة الأمنية السابقة القائمة على التفوّق والردع في منع أحداث 7 أكتوبر وما تلاها، كان لا بد من تقديم نموذج جديد قابل للتطبيق والقياس يستعيد ثقة المستوطنين -ولو جزئيا- بالمؤسسة الأمنية وقدرتها على حمايتهم. فكانت فكرة الأحزمة الأمنية والمناطق المحروقة العازلة التي تشفي غليل المستوطنين المتعطّشين إلى الانتقام من كل أشكال الحياة لدى أعدائهم وتستعيد ثقتهم من ناحية، وتشكّل اندفاعة في مشروع “إسر/ئيل الكبرى” في ظل ظروف مساعدة قد لا تتكرّر لاحقا من ناحية أخرى.

لقد جاءت هذه العقيدة كبديل لعقيدة أثبتت فشلها في تحقيق الأمن؛ والانسحاب من لبنان تحت أي عنوان سيكون إسقاطا للعقيدة الجديدة، وبالتالي ضربة لمفهوم “الأمن الإسر/ئيلي” في الصميم. ولا يستطيع أحد في موقع السلطة في “إسر/ئيل” اتخاذ قرار يهدّد وجود “إسر/ئيل” من خلال تهديد أمنها من دون تقديم عقيدة أمنية بديلة يمكن الاستناد إليها في إقناع الرأي العام “الإسر/ئيلي” بالقدرة على الحفاظ على الأمن وإنجازات الحرب على الرغم من الانسحاب من لبنان، وهذا ما لا يبدو في متناول أحد في “إسر/ئيل”.

الانسحاب يجرّ انسحابات

ولعل أشدّ ما في قرار الانسحاب من المنطقة الأمنية في لبنان تداعياته على الواقع الأمني في المناطق الأخرى التي تحتلّها “إسرا/ئيل”. فالانسحاب يقول للشعب السوري إن إخراجكم إيران من سوريا وقطع طرق إمداد المقاومة في لبنان والقيام بجولات مفاوضات مباشرة مع “إسر/ئيل” على أرفع المستويات وتناسي الجولان والالتزام بقيود “إسر/ئيل” في كل الجنوب السوري سوف لن يدفع “إسر/ئيل” إلى القبول بالانسحاب من جبل الشيخ والمناطق التي احتلتها بعد سقوط النظام السابق، بل ستبقى “إسر/ئيل” تتوغّل وتقصف وتقيم الحواجز متى شاءت وأين شاءت في الجنوب السوري. وفي المقابل، إذا صمدتم وواجهتم وبذلتم التضحيات، سوف تحرّرون أرضكم وتستعيدون سيادتكم. هذه الفكرة التي قد تتشكّل في الوعي الجمعي في سوريا قد تؤدي إلى نشوء جماعات جديدة أو إحياء أخرى قديمة تحاول تسييل هذه الفكرة على أرض الواقع ولو بعد حين.

والرسالة نفسها ستصل إلى غزة التي ستتيقن أن لا سبيل إلى التحرير ووقف آلة القتل عبر مجلس السلام المزعوم أو وساطة الوسطاء أو الالتزام بالاتفاقات من جانب واحد، بل لا سبيل إلا بالاقتداء بالنموذج اللبناني الذي مرّ بظروف مشابهة طيلة 15 شهرا بعد حرب 2024. ولعل الرسالة الأخطر هي تلك التي ستصل إلى أهل الضفة حيث قلب المشروع “الإسر/ئيلي” الذي شرع عمليا بضمّ ما تبقّى من الأراضي الفلسطينية وأطلق رصاصة الموت الرحيم على اتفاق أوسلو الذي كان في حالة موت سريري على مدى سنين. فإذا انسحبت “إسر/ئيل” من لبنان بضغط من إيران والمقاومة، قد تدفع بذلك جماعات في الضفة إلى السعي إلى تحرير أرضهم والدفاع عنها إذ لم يبقَ لهم ما يخسرونه بعد أن فشلت تنازلات سلطتهم في تحقيق أي إنجاز وبعد أن أثبت خيار المواجهة فعاليته على الرغم من التضحيات.

إن قرار الانسحاب بناء على ما تقدّم لا يهدّد مصير حكومة أو حزب أو ائتلاف في “إسر/ئيل”، بل يهدّد وجود الكيان ومستقبله. ولهذا لا يملك أحد في “إسر/ئيل” -مهما كان معارضا لنتنياهو- القدرة على اتخاذ هكذا قرار. ومع هذا لا يمكن القول باستحالة الانسحاب من لبنان، فالكلام عن استحالة القدرة على اتخاذ قرار الانسحاب “إسر/ئيليا” لا عن الانسحاب نفسه. ولهذا لا بدّ أن يكون القرار صادرا عن من يستطيع فرضه على “إسر/ئيل” أي عن الولايات المتحدة. وهذا لن يكون إلا إذا تعرّض الأمن الأمريكي للخطر، وهنا يبرز دور مضيق هرمز كورقة بيد إيران تتحكّم من خلالها بأمن الطاقة والملاحة الدوليتين بما يمثل خطرا مباشرا على الأمن الأمريكي.