النجف الأشرف تصدح بموقفها
استقبال استثنائي لبزشكيان وعراقجي بصيحات “علي وياك علي” في أجواء التشييع المرتقب لقائد الثورة

رسول حسين ابو السبح

في أجواء يخيم عليها الحزن والترقب قبيل المراسم المرتقبة لتشييع الجثمان الطاهر لسماحة آية الله العظمى الخامنئي في مدينة النجف الأشرف، شهدت العتبة العلوية المقدسة لحظات مشحونة بالعواطف والرسائل البليغة، إذ توجه رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الدكتور مسعود بزشكيان، يرافقه وزير الخارجية السيد عباس عراقجي، صوب مرقد الإمام علي (عليه السلام) فور وصولهما، في زيارة روحية تختزل عمق الروابط الإيمانية والتاريخية بين البلدين الشقيقين.

ولم تكن الهتافات التي ارتفعت في الصحن الحيدري الشريف خلال زيارة الدكتور بزشكيان والسيد عراقجي مجرد عبارات ترحيب عابرة، بل تجسدت كرسائل شعبية صادقة حملتها مدينة النجف الأشرف إلى الجمهورية الإسلامية، مؤكدةً عمق الروابط الوثيقة التي تجمع الشعبين العراقي والإيراني تحت راية الانتماء المشترك لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

فحين دوّت حناجر المستقبلين بهتاف «علي وياك علي» (علي معك يا علي) أثناء استقبال الرئيس بزشكيان، لم يكن المشهد بروتوكولياً أو رسمياً بقدر ما كان تعبيراً تلقائياً عن مشاعر المودة والتقدير الجماهيري، ففي مدينة أمير المؤمنين (ع)، تكتسب الكلمات معانيها من قدسية المكان، وتتحول الهتافات إلى رسائل تحمل أبعاداً روحية وثقافية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة.

لقد جاءت زيارة الرئيس بزشكيان إلى النجف الأشرف، بالتزامن مع نقل الجثمان الطاهر لرهبر الثورة الإسلامية بنية التشييع في النجف وكربلاء، وفي لحظة تشهد فيها المنطقة تحديات كبرى وتحولات متسارعة، الأمر الذي منح مشهد الاستقبال بعداً إضافياً؛ فالنجف، بما تمثله من ثقل ديني وحضاري، أرادت أن تعبّر بطريقتها الخاصة عن احترامها وتقديرها للضيوف القادمين من الجمهورية الإسلامية، الدولة التي ترتبط مع العراق بعلاقات تاريخية وإنسانية ودينية عميقة.

أما استقبال وزير الخارجية السيد عباس عراقجي بنداءات «لبيك يا حسين»، فقد حمل دلالات أكثر عمقاً من مجرد الترحيب بشخصية سياسية، إذ عكس الهتاف الحسينى الذي ارتفع في رحاب مرقد أمير المؤمنين (ع) وحدة الوجدان الشعبي الذي يرى في النهضة الحسينية رمزاً للكرامة والعدالة والثبات على المبادئ، وهي القيم التي ما تزال تشكل نقطة التقاء ومحوراً لجهاد وثبات شعوب المنطقة.

وفي الحقيقة، فإن ما شهدته النجف لم يكن مجرد استقبال لمسؤولين إيرانيين، بل كان احتفاءً بعلاقة صنعتها عقود طويلة من التواصل الإنساني والثقافي والديني، فمنذ قرون ظلت حواضر النجف وقم ومشهد وأصفهان وطهران متصلة بخيوط العلم والدين والفكر، وأسهم علماؤها ومفكروها في بناء مساحة حضارية مشتركة تجاوزت الحدود السياسية المصطنعة.

لقد بدت هتافات «علي وياك علي» و«لبيك يا حسين» التي سبقت مراسم تشييع القائد الشهيد للأمة الإسلامية، وكأنها ترجمة شعبية لهذا التاريخ الطويل، فهي لم تصدر عن مؤسسات رسمية أو فعاليات منظمة، بل خرجت من قلوب أبناء النجف الذين اعتادوا التعبير عن مشاعرهم بعفوية وصدق، ومن هنا اكتسبت هذه المشاهد قيمتها الحقيقية، لأنها كشفت عن عمق الحضور المعنوي والثقافي للجمهورية الإسلامية في وجدان شرائح واسعة من محبي أهل البيت (ع).

وفي عالم تتسارع فيه الأحداث وتتبدل فيه التحالفات والمواقف، تبقى المشاهد الشعبية الصادقة أكثر قدرة على التعبير عن حقيقة العلاقات بين الشعوب، ومن هذا المنطلق، فإن الاستقبال الذي حظي به الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي في النجف الأشرف، مصاحباً لتشييع جثمان المرشد الأعلى القائد الشهيد، لم يكن مجرد محطة ضمن برنامج زيارة رسمية، بل كان رسالة واضحة مفادها أن الروابط القائمة على العقيدة والمحبة والاحترام المتبادل تظل أقوى من كل المتغيرات السياسية.

لقد تحدثت النجف هذه المرة بلغة الهتاف العفوي، لكنها أوصلت رسالة بليغة يفهمها الجميع، أن المحبة التي تجمع أبناء الأمة لا تحتاج إلى بيانات رسمية، وأن «علي وياك علي» و«لبيك يا حسين» كانتا عنواناً لوفاء متبادل وتجديداً للعهد على القيم التي تجمع ولا تفرق، وتوحد ولا تشتت… فلا يمكن الفراق أو الفصام بين إيران والعراق.