لم يكن تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخير، والذي دعا فيه علناً إلى دفع “سوريا الجديدة” بقيادة أبو محمد الجولاني لمواجهة المقاومة في لبنان، مجرد سقطة لسان أو زلة سياسية عابرة؛ بل هو وثيقة إدانة تاريخية علنية، وإعلان صريح عن الإفلاس الاستراتيجي والأخلاقي للمشروع الأمريكي-الصهيوني في المنطقة.
​إن هذا التصريح يمثّل قمة الوقاحة البراغماتية، ويعيد صياغة المشهد الإقليمي بما يثبت المؤكد: أمريكا لا تملك أعداءً دائمين ولا مبادئ ثابتة، بل تملك أدواتٍ وظيفية تتلاعب بها لحماية أمن الكيان الصهيوني.
​أولاً: تهافت “سردية الإرهاب” الأمريكية وسقوط الأقنعة
​لسنوات طويلة، ملأت واشنطن الدنيا ضجيجاً حول “الحرب العالمية على الإرهاب”، وسخرت الأساطيل والجيوش، ووضعت اللوائح السوداء التي أدرجت عليها “جبهة النصرة” وتفرعاتها كمنظمات إرهابية خطيرة. واليوم، وبجرّة قلم وبراغماتية فجة، يقف رأس الهرم الإمبراطوري ليعيد تدوير هذه الجماعات، مانحاً إياها صك الغفران الأمريكي، ومطالباً إياها بالتدخل العسكري ضد حزب الله!
​إن مصطلح “الإرهاب” في القاموس الأمريكي ليس توصيفاً عقائدياً أو سلوكياً، بل هو ملصق سياسي يُنزع ويُوضع بناءً على مدى طاعة التنظيم أو الدولة لمصالح واشنطن. عندما تقاتل هذه الجماعات الدولة السورية وتدمر مقدرات الأمة، يُغض الطرف عنها؛ وعندما يُراد منها ضرب المقاومة، تصبح في نظر ترامب “شريكاً قادراً على إنجاز المهمة بشكل أفضل”.
​في طيات كلام ترامب اعتراف غير مقصود، لكنه شديد الوضوح، بفشل الآلة العسكرية الصهيونية. حين يقول ترامب إن إسرائيل تقاتل حزب الله منذ “وقت طويل جداً” وتقتل مدنيين دون جدوى، وأن سوريا (الشرع) ستفعل ذلك “بشكل أفضل وبدقة أكبر”، فهو يوقع على شهادة عجز تل أبيب.
​بعد كل المجازر، والتدمير الممنهج، واغتيال القادة، واستهداف الحواضن الشعبية في لبنان، تدرك واشنطن أن المقاومة في لبنان عصية على الانكسار من الجبهة الجنوبية، وأن كل أدوات الردع الصهيونية تكسرت عند صخرة ثبات المقاتلين. لذلك، تبحث الإدارة الأمريكية يائسة عن “بدلاء محليين” يخوضون عنها وعن الكيان حرباً بالوكالة، محاولةً فتح جبهة شرق وشمال لبنان لاستنزاف المقاومة عبر “كمين فتنوي” جديد.
​إن محاولة ترامب لإعادة هندسة المنطقة وتوجيه بنادق الداخل السوري نحو لبنان تهدف إلى تحقيق حلم صهيوني قديم: إشعال حرب فتنوية (أهلية وإقليمية) تأكل الأخضر واليابس وتضمن أمن الاحتلال لسنوات قادمة.
​لكن حسابات الحقل الأمريكي لا تتطابق مع بيدر المنطقة؛ فالوعي الجمعي لشعوبنا، وتجاربها المريرة مع المشاريع الأمريكية، أثبتت أن دماء أبناء هذا الشرق لن تكون وقوداً لطائرات الاحتلال أو حاميات مستوطناته. حتى السلطة الحالية في دمشق، ورغم كل التحولات والتباعد، تدرك جيداً خطورة هذا الفخ الأمريكي وتكلفة الانزلاق في الوحول اللبنانية، وهو ما تفسره التصريحات المتلاحقة التي تنفي أي نية للتدخل العسكري في لبنان.
​إن هذه اللحظة التاريخية، برغم خطورتها وكثرة التحولات والتعقيدات فيها، تحمل في طياتها ملامح النهوض والفرز الحقيقي. إن استنجاد واشنطن بمن صبغتهم بالإرهاب لضرب المقاومة يؤكد صوابية خيار المقاومة وثباته كمعادل موضوعي وحيد في وجه الغطرسة.
​المقاومة ليست جسماً غريباً يمكن استئصاله بقرار من البيت الأبيض أو بصفقة مشبوهة؛ المقاومة هي نبض الأرض، وعقيدة متجذرة في وجدان الشعوب التي ترفض الهيمنة.
​إن هذا التكالب الدولي والإقليمي لا يزيد محور المقاومة إلا يقيناً بضعف جبهة الأعداء وتشتتها، واعتمادها على المناورات اليائسة بعد الفشل العسكري الميداني.
​إن الشرق الأوسط الجديد الذي بشرت به أمريكا مراراً وتكراراً يتشكل اليوم بالفعل، ولكن ليس بوعود ترامب ولا بصفقات التدوير الوظيفي للإرهاب، بل بوعي الشعوب وثبات المقاومين على الخطوط الأمامية. إن محاولة الاستعانة بأي طرف لضرب المقاومة تحت ذريعة “محاربة الإرهاب” هي قمة الملهاة السوداء، والمقاومة مستعدة لكل السيناريوهات، متمسكة بحقها الوجودي في الدفاع عن الأمة، ومؤمنة بأن النصر الحتمي يكتبه فقط الشرفاء الثابتون في الميدان.
د. نبيلة عفيف غصن