تصريحات تكشف ما وراء الكواليس
ليست أهمية التصريحات التي أدلى بها توم حرب، عضو الحزب الجمهوري الأميركي، في كونها تعكس رأياً سياسياً فردياً، بل في أنها تكشف بوضوح طبيعة المقاربة الأميركية المتقدمة تجاه لبنان، والتي تقوم على إعادة ترتيب الأولويات الوطنية وفق معايير الأمن الإسرائيلي، لا وفق مقتضيات السيادة اللبنانية والقانون الدولي. فحين يصبح انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية مشروطاً بنزع عناصر القوة اللبنانية، لا يعود الحديث عن تسوية سياسية، بل عن معادلة جديدة تُفرغ مفهوم السيادة من مضمونه وتحوله إلى امتياز تمنحه القوة المحتلة متى شاءت.
إعادة تعريف العدو… أخطر بنود المشروع الأميركي
إن أخطر ما ورد في تصريحات توم حرب هو الإقرار بأن الاتفاقات المطروحة تقوم على اعتبار أن المشكلة الأساسية في لبنان ليست استمرار الاحتلال الإسرائيلي، ولا الانتهاكات اليومية للسيادة اللبنانية، ولا الاعتداءات العسكرية المتكررة، وإنما وجود قوة لبنانية تحمل السلاح تحت عنوان مقاومة الاحتلال. وهنا تكمن نقطة التحول الخطيرة؛ إذ يجري نقل مركز الصراع من مواجهة المعتدي إلى محاصرة أدوات الردع اللبنانية، بحيث يصبح الاحتلال طرفاً يفرض الشروط، فيما يُطلب من لبنان أن يقدم الضمانات الأمنية للمعتدي قبل أن يستعيد كامل سيادته على أرضه.
إن إعادة تعريف العدو بهذه الطريقة لا تمثل مجرد تبديل في المصطلحات السياسية، بل تؤسس لتحول استراتيجي عميق في طبيعة الصراع، بحيث يصبح الاحتلال خارج دائرة الاتهام، فيما تتحول القوى التي نشأت في مواجهة الاحتلال إلى موضع الاستهداف السياسي والإعلامي والدبلوماسي. وهذا التحول، إن ترسخ، ستكون له انعكاسات بعيدة المدى على مفهوم الأمن الوطني اللبناني.
من حق لبنان في الدفاع إلى واجب تقديم الضمانات للاحتلال
تتعارض هذه المقاربة مع أبسط قواعد القانون الدولي، الذي يقر بحق الدول في الدفاع عن نفسها، ويعترف بحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في مقاومته وفق أحكام القانون الدولي الإنساني. فالاحتلال هو أصل المشكلة، وأي نقاش حول وسائل مواجهته ينبغي أن يتم ضمن استراتيجية دفاعية وطنية يضعها اللبنانيون بإرادتهم الحرة، لا أن تُفرض عليهم تحت ضغط القوة العسكرية أو العقوبات أو الابتزاز السياسي.
إن مطالبة لبنان بتقديم الضمانات الأمنية قبل انسحاب الاحتلال تعني عملياً قلب المعادلة القانونية والأخلاقية، بحيث يصبح المعتدى عليه مطالباً بإثبات حسن نيته، بينما يُعفى المعتدي من تنفيذ التزاماته الأساسية باحترام سيادة الدول والانسحاب من الأراضي التي يحتلها.
الانسحاب الإسرائيلي المشروط… انقلاب على مفهوم السيادة
تكشف تصريحات توم حرب أن واشنطن وتل أبيب تسعيان إلى تثبيت معادلة جديدة مفادها: لا انسحاب إسرائيلي قبل نزع السلاح في لبنان. وهذه ليست مجرد آلية تفاوض، بل صياغة جديدة للعلاقة بين الاحتلال والدولة اللبنانية، إذ يصبح الاحتلال صاحب حق في فرض شروطه السياسية والعسكرية قبل تنفيذ أي انسحاب.
إن هذا المنطق ينسف أحد أهم مبادئ القانون الدولي، وهو أن إنهاء الاحتلال التزام قانوني غير مشروط، وليس مكافأة تمنحها القوة المحتلة عندما تشعر بأن مصالحها الأمنية قد تحققت.
هل أصبح أمن الكيان الصهيوني معياراً للقرار اللبناني؟
تثير هذه التصريحات سؤالاً بالغ الخطورة: هل باتت أولويات
الدولة اللبنانية تُقاس بمدى تحقيقها للأمن الإسرائيلي؟
إن تحويل أمن الكيان الصهيوني إلى المرجعية التي تُبنى عليها الاتفاقات السياسية والعسكرية يعني عملياً أن القرار اللبناني لم يعد ينطلق من حماية الأرض اللبنانية والإنسان اللبناني، بل من طمأنة الاحتلال وإزالة مصادر قلقه. وهذه معادلة تضعف مفهوم السيادة وتحول الدولة إلى منفذ لشروط خارجية.
القانون الدولي وحق الشعوب في مقاومة الاحتلال
لقد كرست المواثيق الدولية، وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة والعديد من قرارات الجمعية العامة، حق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في مقاومة الاحتلال والسعي إلى التحرر الوطني، كما أكدت حق الدول في الدفاع المشروع عن نفسها.
وانطلاقاً من ذلك، فإن معالجة أي ملف يتعلق بمنظومة الدفاع اللبنانية يجب أن تكون شأناً سيادياً داخلياً، لا بنداً يُفرض ضمن مفاوضات تجري تحت ضغط الاحتلال أو القوى الدولية.
من الوسيط إلى صانع الشروط: الدور الأميركي في رسم المشهد
تكتسب تصريحات توم حرب بعداً إضافياً عندما يتحدث عن تدخل مباشر لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إلى جانب أدوار سعودية وإماراتية في إنجاز الاتفاق. وإذا صحت هذه الرواية، فإنها تعكس انتقال الولايات المتحدة من دور الوسيط إلى دور الطرف الذي يشارك في صياغة الشروط وتحديد مسار العملية السياسية.
وهذا التحول يثير تساؤلات جوهرية حول استقلال القرار اللبناني، وحول قدرة الدولة على التفاوض انطلاقاً من مصالحها الوطنية، لا من الضغوط الخارجية.
التدخلات الإقليمية وتأثيرها على القرار الوطني اللبناني
إن أي حضور إقليمي أو دولي في الملفات اللبنانية يصبح موضع نقاش مشروع عندما يتجاوز الدعم السياسي إلى التأثير المباشر في صياغة القرارات السيادية. فالدول تُبنى بإرادة شعوبها ومؤسساتها الدستورية، لا عبر التفاهمات التي تُصاغ في العواصم الأجنبية مهما كانت مبرراتها.
السيادة ليست ورقة تفاوض ولا منحة خارجية
السيادة ليست امتيازاً تمنحه واشنطن أو أي عاصمة أخرى، وليست نتيجة تفاوض مع الاحتلال، بل هي حق أصيل للدولة اللبنانية يكفله القانون الدولي. ولذلك فإن أي اتفاق يجعل استعادة الأرض أو وقف الاعتداءات مشروطين بتقديم تنازلات تمس عناصر القوة الوطنية، يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بمفهوم الاستقلال نفسه.
الدولة القوية لا تُبنى بتجريدها من عناصر القوة
إن استقرار الدول لا يتحقق عبر نزع عناصر قوتها تحت ضغط الخارج، بل عبر بناء مؤسسات قوية تمتلك قرارها الوطني الحر، وتضع استراتيجية دفاعية تنطلق من حماية السيادة وردع أي عدوان. فالدولة التي تُجبر على التخلي عن أوراق قوتها قبل زوال أسباب التهديد تصبح أكثر عرضة للضغوط والابتزاز في المستقبل.
من يحدد مفهوم الأمن الوطني اللبناني؟
يبقى السؤال المركزي الذي تفرضه هذه التصريحات: من يملك حق تعريف الأمن الوطني اللبناني؟
هل يُصاغ هذا المفهوم في بيروت، انطلاقاً من المصالح العليا للدولة اللبنانية، أم يُعاد رسمه في واشنطن وتل أبيب وفق متطلبات الأمن الإسرائيلي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل الدولة اللبنانية في السنوات المقبلة، وسترسم حدود استقلال قرارها السياسي والعسكري.
لبنان أمام مفترق تاريخي: دولة مستقلة أم سيادة مشروطة؟
يقف لبنان اليوم أمام لحظة مفصلية. فإما أن يتمسك بحقه في صياغة سياساته الدفاعية والسيادية بعيداً عن الضغوط والإملاءات الخارجية، وإما أن يقبل بمنطق يجعل أمن الاحتلال شرطاً لاستعادة حقوقه الوطنية. وبين هذين الخيارين يتحدد مستقبل الدولة، وحدود استقلالها، وموقعها في معادلات المنطقة.
الخاتمة: لا استقرار حقيقياً من دون سيادة كاملة ورفع الاحتلال
إن بناء دولة مستقرة وقوية لا يتحقق بإعادة تعريف العدو أو بجعل أمن الاحتلال أولوية تتقدم على السيادة الوطنية، بل يبدأ باستعادة كامل الحقوق الوطنية، وإنهاء أي وجود أو اعتداء يمس الأراضي اللبنانية، واحترام القانون الدولي دون انتقائية.
فالسيادة لا تُجزأ، والاستقلال لا يُقاس بحجم الدعم الخارجي، وإنما بقدرة الدولة على حماية أرضها وقرارها الوطني الحر. وكل مشروع سياسي يجعل إنهاء الاحتلال مشروطاً بإرضاء المحتل، إنما يؤسس لمرحلة تصبح فيها الحقوق الوطنية قابلة للمساومة، وهو مسار لا يمكن أن يصنع سلاماً دائماً ولا استقراراً حقيقياً، بل يفتح الباب أمام أزمات أشد تعقيداً في المستقبل.
د. نبيلة عفيف غصن
