إن القرار الأخير الذي اتخذه “الكنيست الإسرائيلي” بحظر استخدام مكبرات الصوت لرفع الأذان، بموافقة 36 صوتاً مقابل 14، ليس مجرد إجراء إداري، بل هو حلقة جديدة في سلسلة سياسات الاحتلال الممنهجة التي تهدف إلى طمس معالم الهوية الفلسطينية المتجذرة في هذه الأرض منذ آلاف السنين. إن هذا التشريع، الذي يقوده تيار اليمين المتطرف، يكشف الوجه الحقيقي للاحتلال: كيان يسعى لفرض وجوده المصطنع عبر إلغاء الوجود الأصيل لأصحاب الأرض التاريخيين.
​الأذان كرمز للوجود والتجذر التاريخي
إن الأذان ليس مجرد شعيرة دينية، بل هو نبض حضاري وتاريخي يعكس الوجود الفلسطيني الممتد في هذه الديار قبل نشوء كيان الاحتلال بعصور طويلة. إن استهداف هذا الرمز هو اعتداء مباشر على كرامة الشعب الفلسطيني، ومحاولة بائسة لقطع صلة الأرض بأصحابها الأصليين. إن النخبة الحاكمة في تل أبيب، وإدراكاً منها لعدم شرعية وجودها، تنظر إلى أي مظهر للهوية الفلسطينية –سواء كانت إسلامية أو مسيحية– باعتباره شاهداً حياً على زيف روايتها الاستعمارية، مما يدفعها لمحاولة “تطهير” الفضاء العام من كل ما يذكر بجذور هذه الأرض وهويتها التاريخية.
​استراتيجية التفكيك كهدف وجودي للاحتلال
إن ما يمارسه الاحتلال ليس مجرد سياسة عابرة، بل هو هدف استراتيجي ومقصود لكيان يقوم على عقيدة عنصرية استيطانية. حين تتحول سلطة الاحتلال إلى أداة لخدمة أهداف المستوطنين على حساب الشعب الفلسطيني، فإنها تتبنى منهجية التفكيك كآلية للبقاء. وإليك لماذا يُعد هذا التفكيك هدفاً بحد ذاته لهذا الاحتلال:
​القضاء على “الكتلة التاريخية” الفاعلة: يدرك الاحتلال أن صمود النسيج الاجتماعي الفلسطيني وتجذره هو الخطر الوجودي الأول على مشروعه الإحلالي. لذلك، يسعى لضرب هذا النسيج وتفكيكه إلى “جزر” معزولة (طائفية، مناطقية، أو إثنية). عندما يُدفع المجتمع نحو التفتت، يأمل الاحتلال أن يصبح هو المرجع الوحيد لضبط هذه الجزر عبر القوة العسكرية، وهو ما يبرر استمرار وجوده الاستعماري.
​خلق “عدو دائم” لضمان التعبئة: لا يستطيع كيان الاحتلال العيش في حالة استقرار طبيعي، لأن شرعيته تقوم على الصراع الدائم. لذا، هو بحاجة إلى خلق أزمات وجودية مستمرة. من خلال استهداف الرموز الدينية مثل الأذان، يضمن الاحتلال إبقاء الفلسطينيين في حالة دفاع دائم عن وجودهم، وهو ما يغذي سردية “التهديد الأمني” لدى جمهور المستوطنين، لإبقائهم في حالة تعبئة خلف الخطاب اليميني المتطرف.
​تحويل “المواطنة” إلى “ولاء مشروط”: يسعى الاحتلال إلى تحويل الفلسطينيين من أصحاب أرض وحق إلى “رعايا” خاضعين لقوانين القوة العسكرية. لا يريد الاحتلال مواطناً صاحب حقوق متجذرة، بل يسعى لانتزاع الهوية القومية الفلسطينية، لجعل الناس أكثر قابلية للانقياد لمشاريع التصفية التي يفرضها الاحتلال.
​في المحصلة:
إن كيان الاحتلال لا يسعى لإدارة الأرض، بل يسعى لتصفية وجود أصحابها. وهو يدرك تماماً أن تفتيت المجتمع هو السبيل الوحيد لإدامة هيمنته الاستعمارية. إنه كيان لا يقوم على وحدة المصير، بل على فرض المصير بقوة السلاح، وهذا التناقض هو الذي يجعل الاحتلال يعيش في حالة استنفار دائم، ويحكم عليه بأن يظل كياناً معزولاً ومأزوماً، مهما بلغت ترسانته العسكرية.
إن “فلسطين بلا مسلمين” أو “أرض بلا شعب” هي جوهر المشروع الصهيوني الذي يسعى لإلغاء الآخر لضمان هيمنة مطلقة. ومع ذلك، فإن التاريخ يعلمنا أن المشاريع الاستعمارية التي تحاول إلغاء الشعوب الأصيلة مصيرها الزوال؛ فالحرية في التعبير عن الذات والرموز هي جزء أصيل من حق الشعب الفلسطيني في أرضه. إن هذه القوانين لن تمنح الاحتلال القوة التي ينشدها، بل ستزيد من عزلته، وستؤكد يوماً بعد يوم أن الوجود الفلسطيني المتجذر في التاريخ والجغرافيا لا يمكن أن تكسره محاولات المحو. إن الوجود الحقيقي يُبنى على الحق، والحق لا يقبل القسمة على أوهام المحتل الغريب.
د. نبيلة عفيف غصن