في ظل التحولات الجيوسياسية الحادة التي تشهدها منطقة غرب آسيا في منتصف عام 2026، برز اسم ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، كقوة دافعة خلف استراتيجية جديدة تهدف إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك الإقليمية. لا يكتفي روبيو بإدارة الملفات الخارجية، بل يتبنى نهجاً صدامياً يسعى بوضوح إلى نسف مسارات التفاهم الأمريكية-الإيرانية، سواء تلك التي تجري عبر القنوات الخلفية في مسقط، أو في محاولات فرض ترتيبات أمنية قسرية في لبنان. إن التحركات التي يقودها روبيو تعكس رغبة واشنطن في الانتقال من مرحلة “إدارة الأزمات” إلى مرحلة “الفرض القسري”، حيث يتم استخدام الضغوط الاقتصادية والملفات الأمنية كأدوات لنسف أي صيغة للاتفاق لا تضمن الهيمنة الأمريكية المطلقة وتحقيق متطلبات أمن الكيان الإسرائيلي
من هو ماركو روبيو؟
روبيو ليس سوى واجهة لسياسة “الواقعية المتوحشة”. هو الرجل الذي يحمل في جعبته عقيدة التوسع والهيمنة، مؤمناً بأن لغة القوة، والإملاءات الاقتصادية، والتحالف مع الكيان الصهيوني هي السبيل الوحيد لفرض الإرادة الأمريكية على شعوب المنطقة الحرة. روبيو يجسد التوجهات الأكثر تطرفاً في واشنطن، حيث يعتقد واهماً أن الضغوط يمكن أن تكسر إرادة الشعوب التي اتخذت قرارها بالاستقلال والسيادة.
محاولات “الابتزاز” تحت غطاء الدبلوماسية
إن ما يصفه الإعلام الغربي بـ “دبلوماسية” في عمان أو لبنان، ليس في حقيقته سوى محاولة ابتزاز سياسي تهدف لانتزاع ما فشلت الحروب والحروب الناعمة في تحقيقه.
وهم “تغيير قواعد اللعبة”: يسعى روبيو لربط أي تفاهمات تتعلق بالاستقرار الإقليمي بملفات هي خطوط حمراء بالنسبة للمقاومة. هو لا يريد اتفاقاً متكافئاً، بل يريد “استسلاماً استراتيجياً” يتضمن التخلي عن العمق المقاوم في لبنان والمنطقة، وهو ما لن يتحقق مهما بلغت حدة الضغوط.
استهداف قنوات التواصل: يتحرك ماركو روبيو نحو تقويض الدور العماني التاريخي عبر تحويله من “وسيط نزيه” ييسر الحوار إلى “أداة ضغط” وظيفية. هذا التحول يعتمد على استراتيجية الدبلوماسية القسرية التي تفرغ الوساطة من جوهرها الاستقلالي، وتجعل من مسقط قناة لنقل الإنذارات والإملاءات الأمريكية بدلاً من البحث عن تسويات مشتركة.
هذه المقاربة تعني:
تجريد الدبلوماسية من استقلاليتها: تحويل مساحة الحوار إلى “مكتب لتلقي الأوامر” تحت تهديد العقوبات، مما يفقد الوسطاء قدرتهم على المناورة.
استباحة السيادة اللبنانية عبر الأطر الأمنية: تمثل التحركات المكثفة التي يقودها ماركو روبيو، لا سيما في هندسة “الاتفاق الإطاري” وملحقه الأمني السري بين لبنان وإسرائيل، تحولاً جذرياً في طبيعة التدخل الأمريكي في الملف اللبناني. فالمساعي الرامية لفرض بنود أمنية ملزمة تتجاوز الأطر التقليدية للاتفاقات الدبلوماسية، لتضع الدولة اللبنانية أمام معادلات تفرض قيوداً مباشرة على قرارها السيادي وتجعل من أمن الحدود التزاماً وظيفياً يخدم رؤية واشنطن الاستراتيجية. إن محاولات تمرير هذه الملحقات الأمنية لا تقتصر على إعادة هندسة التوازنات العسكرية القائمة، بل تهدف إلى دمج لبنان في ترتيبات أمنية إقليمية تخدم بالدرجة الأولى حماية أمن الكيان الإسرائيلي، ما يضع لبنان أمام اختبار حقيقي لقدرته على الحفاظ على استقلالية قراره الوطني في ظل ضغوط إقليمية تهدف إلى إعادة صياغة دوره كجزء من المنظومة الأمنية الأمريكية في المتوسط.
استراتيجية “الاستنزاف” في مواجهة “إرادة البقاء”
إن استراتيجية “الواقعية المتشددة” التي يتبجح بها روبيو ليست دليلاً على القوة، بل هي اعتراف ضمني بـ عجز واشنطن عن مواجهة الواقع الإقليمي الجديد.
سقوط الرهان على الضغط: الرهان على أن الضغوط الاقتصادية أو التهديد العسكري سيؤدي إلى “تغيير سلوك” قوى المقاومة هو رهان خاسر. لقد أثبتت التجارب أن الحصار لا يولد إلا مزيداً من الإصرار على تطوير “اقتصاد المقاومة” وتعزيز الاكتفاء الذاتي والتحالفات الاستراتيجية مع قوى الشرق.
العمق الاستراتيجي كخط أحمر: بالنسبة لمحور المقاومة، فإن الساحات من طهران إلى بيروت هي وحدة واحدة، ولا يمكن التنازل عن أي جزء منها تحت ضغوط العقوبات. إن هذه الشبكة هي صمام أمان المنطقة ضد الطموحات التوسعية الأمريكية والصهيونية.
المآل: فشل استراتيجية “حافة الهاوية”: يحاول روبيو دفع المنطقة إلى حافة الهاوية، معتقداً أننا سنرتجف. لكن التاريخ يؤكد أن هذه السياسة لن تؤدي إلا إلى تعميق الصراع وإضعاف أوراق واشنطن. إن “الواقعية المتشددة” التي يمارسها روبيو ستتحطم على صخرة الصمود، وستجعل المنطقة أكثر وعياً بخطورة هذا النهج، مما يسرع من خروج قوى المنطقة من تحت العباءة الأمريكية.
الخلاصة:
ماركو روبيو لا يسعى لاتفاق عادل، بل يسعى لتثبيت الهيمنة. إن سياسة “الواقعية المتشددة” هي في جوهرها اعتداء على إرادة الشعوب. وكما فشلت كل المخططات السابقة، فإن محاولات روبيو لفرض التوازنات الجديدة ستواجه بموقف صلب من محور المقاومة، الذي لا يرى في هذه الاستراتيجية سوى فرصة جديدة لمزيد من التلاحم وتثبيت معادلات القوة التي ستجعل من واشنطن في نهاية المطاف تدرك أن زمن الإملاءات قد ولى إلى غير رجعة.
د. نبيلة عفيف غصن
