متى تنسحب “إسرائيل” من لبنان؟
حسن علاء الدين
تبرز مسألة الانسحاب “الإسر/ئيلي” من الأراضي اللبنانية المحتلة بعد توقيع مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة كعقدة شائكة يصعب الجزم في تحديد المسار الذي سيُسلك في سبيل حلّها. فالانسحاب قد يُعدّ العنصر الأكثر وضوحا والأكثر قابلية للقياس في تحديد المنتصر في الحرب الأخيرة، إذ لا يمكن الالتفاف حوله أو تمرير شيء من تحت الطاولة بما يخالف الظاهر كما هو الحال في العناصر الأخرى كالملف النووي والصاروخي ورسوم العبور في مضيق هرمز وغيرها.
الانسحاب عام 2000: مجد لا يصحّ القياس عليه
يستذكر البعض انسحاب “إسر/ئيل” عام 2000 ويحاول إسقاط ذلك النموذج على الواقع الحالي، فيخلص إلى إمكانية الانسحاب إذا تعرض الجيش “الإسر/ئيلي” للاستزاف في الميدان، وترافق ذلك مع ضغط من الرأي العام في “إسر/ئيل”. ولكن القياس على تلك المرحلة غير جائز لأسباب عديدة، فالتهديد الذي كانت تشكّله المقاومة في لبنان قبل عام 2000 يختلف جذريا عن الواقع اليوم، فما كان عامل إزعاج أو تهديد استراتيجي بات الآن يشكل تهديدا وجوديا لا يمكن التعامل معه بالطريقة ذاتها. كما إن مجتمع المستوطنين في “إسر/ئيل” أصبح أكثر تطرّفا من قادته السياسيين أحيانا، وهذا ما ينعكس في استطلاعات الرأي التي تظهر الرغبة في الاستمرار في الحرب على الرغم من الخسائر.
ولعل السبب الأهم في عدم جواز القياس على الانسحاب عام 2000 هو التغير الذي طرأ على العقيدة الأمنية في “إسر/ئيل”، فبعد أن أثبتت سياسات الردع والاحتواء وجزّ العشب فشلها في منع أحداث السابع من أكتوبر وما تبعها، لم تجد المؤسسة الأمنية إلا سياسة الأرض المحروقة والمناطق الأمنية العازلة كسبيل إلى تحقيق أمن المستوطنين واستعادة ثقتهم بالمؤسسة الأمنية والعسكرية. فإذا انسحبت “إسر/ئيل” من لبنان تحت الضغوط، تكون بذلك تخلت عن العقيدة المتّبعة دون القدرة على تسويق مفهوم الأمن عند المستوطنين. ولذا يُعدّ الانسحاب تهديدا وجوديا ل”إسر/ئيل” بسبب تهديده لمفهوم الأمن الذي قام عليه الكيان، مما يعني صعوبة القدرة على اتخاذ قرار الانسحاب مهما بلغت الخسائر.
ما السبيل إذا؟
لا بدّ إذا من هذا المنطلق الضغط على القوة الوحيدة القادرة على إرغام “إسر/ئيل” على الانسحاب، أي الولايات المتحدة التي لا تفرّط بأمن “إسر/ئيل” أبدا، ولكن في حال تعرض أمن الولايات المتحدة وأمن المواطن الأمريكي للخطر، قد تضطر الإدارة الأمريكية إلى التضحية الجزئية بأمن “إسر/ئيل” والعمل على ترميمها لاحقا. ومن هنا يبرز دور مضيق هرمز الحاسم في هذه المعركة؛ فالأمن الأمريكي لا يُصاب من خلال إسقاط طائرة أو إغراق بارجة أو غير ذلك، بل يُصاب من خلال التهديد الاقتصادي وتعريض أمن الملاحة والطاقة للخطر. وهذا ما أدركته إيران جيدا فأحسنت استخدام ورقة المضيق وخاصة من خلال ربطها بالملف اللبناني. فالانسحاب من لبنان مرهون بقرار أمريكي لا “إسر/ئيلي”، ولذا لا بدّ من الضغط على الولايات المتحدة أكثر من “إسر/ئيل” نفسها في هذا الملف.
لقد حاولت الولايات المتحدة مرات عديدة سحب ورقة مضيق هرمز من يدي إيران خلال الحرب وبعد وقف إطلاق النار، ولكنها لم تتمكن من ذلك، مما اضطرها مؤخّرا إلى توقيع مذكرة التفاهم بعد أن بلغ أمن الطاقة مرحلة حرجة. وستحاول الولايات المتحدة الآن حتما تحييد ورقة المضيق ومنع إيران من استخدامها لاحقا؛ وإذا تمكّنت من ذلك، تستطيع فرض شروطها على إيران في المسائل العالقة وإطلاق عنان “إسر/ئيل”. وإذا استمرّ فشلها في ذلك، ستستطيع إيران فرض شروطها وفرض الانسحاب “الإسر/ئيلي” من لبنان.
إخراج قرار الانسحاب
إن الولايات المتحدة لا تستطيع التخلي عن أمن “إسر/ئيل” تماما، لذا قد تسعى في حال فرض الانسحاب إلى إخراجه بصورة اتفاق بين “إسر/ئيل” والسلطة في لبنان، وربطه بمسألة حصر السلاح والمناطق التجريبية وغيرها، وهذا ديدن الولايات المتحدة التي تسعى دائما إلى دفع كلفة خسائرها من جيوب أدواتها. وقد تقوم الولايات المتحدة بتسويق فكرة تلزيم الملف اللبناني للنظام الحاكم في سوريا، وهذا مما لا يخفى انفصاله عن الواقع، إلا أنه قد يُستخدم كمخرج أمام الرأي العام في “إسر/ئيل”. ولكن ذلك لن يعيد الشعور بالأمن المفقود لدى المجتمع الاستيطاني، مما سيخلّف تداعيات تمسّ مستقبل الكيان. ثمّ إن ما عجزت “إسر/ئيل” عن تحقيقه على الأرض في لبنان لن يكون متاحا أمام بعض اللاهثين وراء السلام معها في المنطقة.
إن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة لم تنته بعد، والوثيقة الموقّعة ليست إلا مذكّرة تفاهم، ولكنها تعكس قطع شوط طويل. وإذا كانت نية الولايات المتحدة إنهاء الحرب، فلا بدّ -من وجهة نظر إيران- من الانسحاب “الإسر/ئيلي” من كامل التراب اللبناني.
أما إذا كانت نية الولايات المتحدة الحصول في المفاواضات على ما عجزت عن الحصول عليه في الحرب، فقد نكون أمام مواجهة عسكرية جديدة قد تفوق ضراوتها المواجهة الماضية.
