المدير العام للوكالة الذرية يطلق تصريحاً نارياً في توقيت حساس، بينما يُجري مجلس الأمن أول جولة تصويت مغلقة لاختيار خليفة غوتيريش

وسط أروقة نيويورك التي تعجّ بالديبلوماسيين، وعلى وقع سباق محموم على كرسي الأمين العام للأمم المتحدة، اختار رافائيل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية وأحد المرشحين السبعة للمنصب، أن يوجه صفعة معنوية للمنظمة التي يسعى لقيادتها، واصفاً إياها بأنها “تفقد أهميتها وتموت ببطء”.

الموقف بدا أشبه بمفارقة تاريخية، إذ يتحدث رجل يسعى لتولي زمام المنظمة عن موتها السريري، لكنه ربما يكون أكثر الصادقين في وصف الحال التي آلت إليها مؤسسة أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية لتكون حامية السلام العالمي.”لم تعد تساهم في حل الأزمات”

في مقابلة مع صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، لم يتورع غروسي عن كشف ما يراه عورة المنظمة الدولية، مؤكداً أنها “لم تعد تساهم بشكل جوهري في حل الأزمات الجديدة أو الحروب بين الدول”، غير أنه استدرك قائلاً إنه لا يرى خطر انهيار فوري، لكنه شدد على أن التراجع تدريجي ومستمر، وأن “الموت” هنا هو موت الفاعلية والتأثير، وليس موت الهيكل ذاته.

توقيت لا يحتمل الصدفة

ما يعزز أهمية هذا التصريح، أنه جاء متزامناً مع لحظة فارقة في مسار المنظمة، حيث أجرى مجلس الأمن، أمس الثلاثاء، أولى جولات التصويت المغلقة لاختيار مرشح وحيد يُرفع اسمه لاحقاً إلى الجمعية العامة للمصادقة الرسمية.

الولاية الثانية للأمين الحالي أنطونيو غوتيريش تنتهي رسمياً في 31 ديسمبر 2026، ما يعني أن السباق دخل فعلياً مرحلته الحاسمة، وأن التصريحات التي تطلق في هذه الفترة تحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز مجرد الرأي السياسي، إلى محاولات تشكيل هوية المرشح في أذهان الأعضاء المصوتين.

سباق سباعي الألوان

يتنافس على المنصب سبعة مرشحين من جنسيات مختلفة، بينهم وجوه بارزة على الساحة الدولية:

· رافائيل غروسي (الأرجنتين) — المدير العام للوكالة الذرية.

· ميشيل باشيليت (تشيلي) — المفوضة السابقة لحقوق الإنسان.

· ريبيكا غرينسبان (كوستاريكا) — ديبلوماسية مخضرمة.

· ماكي سال (السنغال) — الرئيس السنغالي الحالي.

إضافة إلى ثلاثة مرشحين آخرين يمثلون تنوعاً جغرافياً يعكس حرص المجلس على التوزيع العادل، لكن السؤال الذي يظل معلقاً: هل يمتلك أي منهم الجرأة والقدرة على إعادة الاعتبار لمنظمة بات بعض مرشحيها يصفونها بأنها في نفق مظلم؟

فشل ذريع في نصرة المظلومين

لكن ما قاله غروسي ليس وليد لحظة، بل هو وصف دقيق لواقع مرير تراكم لعقود. فالمنظمة التي أُنشئت لـ”إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب” تبدو اليوم عاجزة عن وقف الحروب القائمة، فضلاً عن منع نشوب حروب جديدة.الناظر إلى سجل الأمم المتحدة في العقود الأخيرة يجد مشاهد متكررة من العجز:

· فلسطين وغزة: عشرات القرارات الأممية غير الملزمة، وأكثر من ثمانية عشر ألف شهيد في عدوان واحد، ومجلس أمن مشلول بفعل فيتو أميركي متكرر، فيما تكتفي المنظمة ببيانات الشجب التي لا توقف دماً ولا تردع معتدياً.

· أوكرانيا: حرب دمرت مدناً وأزهقت مئات الآلاف، ورغم إدانة الجمعية العامة، ظل المجلس عاجزاً عن إصدار قرار ملزم بسبب الفيتو الروسي.

· سوريا واليمن والسودان: ملفات متشابهة، حيث تحولت الأمم المتحدة إلى متفرج على مآسي إنسانية غير مسبوقة، بينما يُستباح الدماء، وتُهجر الملايين.

· الروهينجا وأرمينيا ومناطق أخرى أثبتت فيها المنظمة أنها “طويلة اللسان قصيرة اليد”، قادرة على إصدار التقارير والتوصيفات، لكنها غير قادرة على تحريك جندي واحد لحماية مدني أعزل.

أرقام تصفع الضمير العالمي

الأرقام تتحدث بصوت أعلى من البيانات الأممية الرنانة، فثمة أكثر من 55 نزاعاً مسلحاً يدور في العالم اليوم، وأكثر من 120 مليون لاجئ ونازح قسراً، بينما لا تتجاوز نسبة تنفيذ قرارات الجمعية العامة الـ5%. أما مجلس الأمن فقد شهد استخدام الفيتو لنقض أكثر من 35 قراراً إنسانياً منذ 2011 وحده.

ازدواجية المعايير.. القشة التي قصمت ظهر البعير

ما يثير استياء الرأي العام العربي والإسلامي خاصة، هو الازدواجية الصارخة في التعامل الأممي مع الأزمات؛ إذ تُحرّك آليات المحكمة الجنائية الدولية بسرعة في ملفات بعينها، وتتوقف عن العمل في قضايا أخرى، مما يعزز الشعور بأن هناك “دولاً فوق القانون” وأخرى “خارج نطاق الحماية”. المستضعفون في غزة واليمن والسودان ومخيمات اللاجئين المنتشرة، ينتظرون من الأمم المتحدة ما هو أكبر من بيانات الأسف — ينتظرون فعلاً يوقف القتل، وقراراً يلجم المعتدي، وآلية تحاسب المجرم، لا مجرد كلمات تذهب أدراج الرياح.

هل يأتي الأمين القادم بالخلاص؟

غروسي، الذي أطلق هذه القنبلة الديبلوماسية، يرى في نفسه القدرة على “إعادة الحياة” إلى الأمم المتحدة، كما قال في ختام المقابلة: “أنا لا آتي لأدير منظمة، بل لأعيد بناء دورها في النظام العالمي”.

لكن السؤال الأعمق — الذي يطرحه تصريحه نفسه — هو: هل يمكن لمنظمة فقدت بوصلتها الأخلاقية، وأصبحت أسيرة المصالح السياسية للدول الكبرى، أن تنهض على يد أمين عام يرى أنها “تموت ببطء”؟ أم أن الموت البطيء هو المصير المحتوم لمنظومة بنيت على أحلام السلام، لكنها استسلمت لوقائع القوة؟

الانتظار ليس طويلاً، فجولة التصويت الأولى انطلقت، والأشهر القادمة ستحمل الإجابة، ليس فقط عن هوية الأمين القادم، بل عن مصير فكرة التعددية الدولية نفسها، وعن قدرة البشرية على الإبقاء على حلمها القديم في عالم أكثر عدلاً، رغم كلّ ما يراه غروسي من “موت بطيء”.