المقاومة والأمن القومي… أين تكمن المشكلة؟

محمد الحمد

ترددت كثيرا في كتابة هذا المقال، ليس لقلة ما قيل في هذا الموضوع، بل لكثرة المقالات والمنشورات واللقاءات التي تحدثت فيها عنه، سواء عندما كنت محاورا تلفزيونيا أو ضيفا على مختلف القنوات.

وفيما يتعلق بموضوع حاجتنا إلى المقاومة وسلاحها، لن أبدأ بسرد تاريخي أو استحضار أمثلة لا تُعد ولا تُحصى، لأن جوهر المشكلة لا يكمن في المقاومة وسلاحها بحد ذاتهما، وإنما في جملة من العوامل التي أدت إلى تشويه هذا المفهوم وإرباك الرأي العام تجاهه.
أولا: شيطنة المقاومة
مارس عدد من الساسة، ومن خلفهم جيوشهم الإعلامية، إلى جانب الإعلام الممول أمريكيا وخليجيا، حملة ممنهجة لشيطنة المقاومة كمفهوم في مختلف الساحات.
فتم ربط اسم المقاومة بالموت والخراب والدمار والتخلف، في حين أن العدو هو من يصنع هذه المآسي ويمارسها فعليا.
لكن هذا العدو ينجح في إلصاق التهم بالمقاومة لضمان تحقيق أهدافه العقدية المرتبطة بمشروع “اسرائيل الكبرى”، فضلا عن ضمان مصالحه المتعلقة بالهيمنة المطلقة على المنطقة، ومنها التأثير في موازين القوى العالمية.
ثانيا: الخلط بين السلطة والمقاومة
بعض الشخصيات مزجت بين العمل في السلطة مع احتفاظها بعنوان المقاومة تحت عناوين وتبريرات مختلفة، من بينها توفير الحصانة للمقاومة أو حماية مشروعها، إلا أن بعض هؤلاء أخفقوا في أدائهم الحكومي والسياسي، وهو ما انعكس سلبا على صورة المقاومة كمفهوم وكعمل مشروع، وأدى إلى تحميلها أخطاء لا علاقة لها بأصل وظيفتها أو دورها.
ثالثا: غياب العمل الاستراتيجي
عانت الساحة من انعدام العمل الاستراتيجي الفاعل، ومن ضعف التصدي الثقافي والفكري والإعلامي، خصوصا في المراحل الحساسة والمفصلية، وقد انعكس ذلك سلبا على مستوى الوعي العام، فلم تُبنَ قاعدة شعبية واعية تتناسب مع حجم التضحيات الجسام التي قدمتها المقاومة في العراق والمنطقة عموما.
رابعا: التردد في تسمية الأشياء بمسمياتها
من أبرز المشكلات أيضا حالة التردد والمجاملة في بناء وعي متكامل تجاه تحديد العدو والصديق، وهو أمر أساسي لأي مشروع وطني يسعى إلى حماية مصالح البلاد وصون أمنها القومي.
الأمن القومي… المفهوم المغيب
ذلك المفهوم الذي يجري التشويش عليه كثيرا، أو يُقدم للمجتمع بصورة مجتزأة وغير واضحة.
ولهذا نجد الناس يستمعون إلى آراء هذا السياسي أو ذاك، أو هذا المحلل أو ذلك الإعلامي المأجور، أو هذا الناشط والمدون المرتزق، فضلا عن عدد من الجهلة الذين لا يعرفون من الأمور إلا سطحها.
فما هو الأمن القومي؟
هل الأمن القومي يعني أمن الحدود فقط؟
هل يعني تعزيز مكانة هذا الحزب أو ذاك ماليا واقتصاديا من أموال الشعب وقوته؟
هل يعني عقد شراكات مع العدو؟
هل يعني إقامة علاقات سياسية واقتصادية ومالية مع أدوات العدو؟
هل يعني بقاء العراق خاضعا للاحتلال العسكري أو الهيمنة الاقتصادية الأمريكية؟
أم أن الأمن القومي يتعلق بتأمين وضع البلد سياسيا واقتصاديا وأمنيا وعسكريا
أليس الأمن القومي هو إقامة علاقات قائمة على الندية مع الدول التي لا تتدخل في الشؤون الداخلية، وبناء شراكات اقتصادية وأمنية على أساس المصالح المتبادلة لا الهيمنة والإملاءات؟
أليس من مقتضيات الأمن القومي أن تمتلك الدولة قرارها السيادي المستقل في عقد صفقات التسليح والدفاع، بعيدا عن أي فيتو أو وصاية خارجية؟
هل تسليم السلاح وحده يقوي الدولة؟
أما فيما يتعلق بموضوع تسليم السلاح، والذي يبرره البعض تحت عنوان “تقوية الدولة”، فالسؤال الجوهري هو:
ما هي نقاط القوة الحقيقية التي تمتلكها لتحقيق هذا الهدف؟
هل المقصود هو تقوية الدولة فعلا أم تعزيز موقع هذا الحزب أو ذاك؟
هل الهدف هو المصلحة العامة أم المصالح الخاصة؟
وما هو الضامن، في حال تقديم التنازلات، بأن تكون الدولة قوية ومتماسكة وفي أيد أمينة؟
إن من يمتلك القدرة على تسليم سلاحه، من الأولى أن يمتلك القدرة على نبذ الخلافات، والاتفاق على مشروع وطني متكامل لبناء الدولة، تكون فيه المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
ومن يمتلك القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية كهذه، كان الأولى به أن يتصدى للجانب التوعوي، وأن يضع المجتمع أمام مسؤولياته، وأن يتحلى بالجرأة الكافية لتسمية الأشياء بمسمياتها.
ومن ذلك الإجابة بوضوح عن سؤال جوهري:
هل الأمريكي صديق أم عدو؟
لأن الإجابة عن هذا السؤال تشكل جزءا أساسيًا من أي رؤية حقيقية للأمن القومي.
تنازلات بلا مقابل
المفارقة أن بعض الذين لم يشاركوا في التحديات المصيرية الأخيرة، بدلا من أن يقدموا مراجعة حقيقية تسهم في بناء مشروع جديد يقود إلى تقوية البلد، اتجهوا إلى تقديم تنازلات مجانية بلا مقابل.
وفي الوقت الذي يشهد فيه النفوذ الأمريكي تراجعا في العديد من الساحات، نجد من يعمل على تقويته وتمكينه بكل سهولة.

وحتى منطق المقايضة السياسية غائب في كثير من الأحيان، بما يمنع الوصول إلى مكاسب وطنية حقيقية، ويجنب البلاد مراحل الانقسام والتشرذم وربما الصدام داخل هذه الحركة أو تلك، لا سمح الله.

الخلاصة
عندما يدّعي هذا الشخص أو ذاك، أو هذه الحركة أو تلك، أنه يريد تقوية الدولة، فإن البداية الصحيحة يجب أن تكون واضحة وصادقة، وأبرز مرتكزاتها:
• التصدي الجاد لتوعية الناس ورفع مستوى الوعي العام.
• صدق النوايا وتغليب المصلحة الوطنية.
• تحديد المعسكرات وتوضيح هوية البلد وخياراته الاستراتيجية.
• تقديم المصالح العامة على المصالح الحزبية والشخصية.
• الاتفاق مع مختلف الفرقاء على مشروع متكامل لبناء الدولة، قائم على المصارحة والمكاشفة.
• تعزيز عناصر القوة الوطنية، بما فيها المقاومة، ما دام التهديد العسكري والاقتصادي قائما.
فبناء الدولة القوية لا يكون بالشعارات، ولا بالتنازلات المجانية، بل برؤية واضحة، ومشروع وطني متكامل، وإرادة صادقة في حماية السيادة وتحقيق الأمن القومي بكل أبعاده.