الأفعى وذيول الذاكرة
ما بين واشنطن وطهران
د. فريد عبد الجبار ولد علي

في السياسة كما في الحكايات القديمة، لا تموت الجراح بانقضاء الزمن، بل تبقى كامنة في الذاكرة تنتظر لحظة استدعائها. فبينما تتواصل الرسائل المتبادلة بين أميركا وإيران، عبر وسطاء إقليميين ودوليين بشأن ما يُعرف بمذكرة التفاهم المرتقبة، تشهد المحادثات بين الطرفين حالة من الغموض والتباين في المواقف، وتتعثر جولات التفاوض بين التفاؤل والحذر. وتؤكد واشنطن وطهران وجود تفسيرات متناقضة لبنود الاتفاق، ما يعكس تعثراً متزايداً قد يضع مسار التفاوض أمام طريق مسدود في المرحلة الحالية. ويبدو أن العقبة الحقيقية لا تكمن في بنود الاتفاقات ولا في تفاصيل الملفات النووية والأمنية، بل في ذلك الإرث الثقيل من الشكوك والخصومات المتراكمة. وكلما تابعتُ هذا المشهد تذكرت حكاية شعبية قديمة عن حطاب وأفعى جمعتهما المصلحة، ثم فرّقتهما الذاكرة.
تحكي إحدى الحكايات الشعبية عن حطاب فقير كان يعزف على الناي وتسمعه أفعى فتطرب لعزفه وتخرج من جحرها لتمنحه ديناراً ذهبياً. واستمرت العلاقة بينهما مدة طويلة قائمة على المنفعة المتبادلة؛ عزفٌ من جهة، ودينارٌ من جهة أخرى. لكن الابن لم ير في العلاقة سوى فرصة ضائعة. أراد الكنز كله دفعة واحدة، فضرب الأفعى ليقتلها، فلم يجنِ سوى ذيل مقطوع ولدغة قاتلة. وعندما عاد الأب بعد زمن محاولاً استئناف العلاقة القديمة، وجد أن الماضي يقف حاجزاً بين الطرفين. قالت له الأفعى: “لا تعد إلى هنا ثانية؛ فأنت حين تراني لن تنسى ابنك، وأنا حين أراك لن أنسى ذيلي”. ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية؛ فبعض العلاقات لا تفسدها المصالح المتعارضة بقدر ما تفسدها الذكريات المتراكمة.
كثيراً ما تبدو العلاقة الإيرانية الأميركية شبيهة بهذه الحكاية. فعلى الرغم من وجود محطات تعاون ومصالح مشتركة عبر العقود، فإن ذاكرة الصراع ظلت أقوى من ضرورات التقارب. فواشنطن لا تنسى أزمة الرهائن 1979-1981، والهجمات التي نسبت إلى حلفاء إيران، وتحديات البرنامج النووي. وطهران لا تنسى انقلاب عام 1953، والعقوبات الطويلة، وسياسات الاحتواء والضغط.
لقد جرت محاولات عديدة لإعادة العزف؛ مفاوضات واتفاقات وقنوات اتصال سرية وعلنية. غير أن كل محاولة كانت تصطدم بذاكرة مثقلة بالشكوك. فالمشكلة لم تعد في غياب المصالح، بل في حضور الجراح. وكل طرف ينظر إلى الآخر من خلال خسائره السابقة قبل أن ينظر إلى مكاسبه المحتملة.
وفي كل مرة تلوح فيها فرصة لوقف إطلاق النار، يبدو أن شبح الماضي يسبق الحاضرين إلى طاولة التفاوض. فالأطراف لا تدخل القاعة بأوراقها السياسية فقط، بل بذاكرة مثقلة بالضغائن والوعود المكسورة والدماء المهدورة. لذلك يتعثر الاتفاق مراراً، ليس لأن الحاجة إليه غائبة، بل لأن الثقة اللازمة لصناعته ما تزال مفقودة. وكما لم يستطع الحطاب والأفعى استعادة أيام الدينار والناي، يجد الخصوم أنفسهم أسرى جراح قديمة تجعل كل خطوة نحو السلام محاطة بالريبة والشك.
لذلك فإن معضلة العلاقة بين إيران والولايات المتحدة لا تكمن فقط في الملفات النووية أو الأمنية أو الاقتصادية، بل في كيفية بناء جسور من الثقة بين الطرفين من جديدة، بينما يحمل كل منهما في ذاكرته ابناً مقتولاً أو ذيلاً مقطوعاً؟
هذه الحكاية لا تقدم حلاً سياسياً، لكنها تلخص مأزقاً تاريخياً. فبعض الصراعات لا تعجز عن الوصول إلى المصالح المشتركة، بل تعجز عن التحرر من ذاكرة الجراح التي تجعل الماضي حاضراً في كل لقاء جديد. فالتاريخ قد يفسر الصراعات، لكنه لا يصنع المصالحات. أما المصالحة فلا تبدأ إلا عندما يقرر الخصوم أن المستقبل أهم من الندوب التي خلفها الماضي.