تداخلت الأبعاد الإقليمية والدولية في الحرب الإسرائيلية المستعرة على جبهة جنوب لبنان بشكل غير مسبوق [1]. ولم يعد الصراع مقتصرًا على المواجهة المباشرة بين الجيش الإسرائيلي وفصائل المقاومة، بل برزت تقارير وتحقيقات استقصائية تسلط الضوء على “العنصر الأجنبي” في هذه الحرب [2]. يتوزع هذا العنصر بين صنفين: “المرتزقة” والمقاتلين الأجانب المنخرطين في صفوف لواءات الجيش الكيان الصهيوني، وفرق النخبة والمستشارين (الأميركيين والبريطانيين) الذين يشاركون في إدارة العمليات والاستخبارات وربما العمليات الميدانية الخاطفة [3].
​نقدم في هذا المقال تحليلاً معمقًا لطبيعة هذه القوات وهويتها، وحجم ونوعية المشاركة الأميركية والبريطانية في معارك الجنوب اللبناني.
​أولاً: “المرتزقة” والمقاتلون الأجانب في الجيش الإسرائيلي
​عند الحديث عن المقاتلين الأجانب في صفوف الجيش الإسرائيلي، يجب التمييز قانونيًا وعسكريًا بين فئتين رئيسيتين:
​1. المتطوعون وحملة الجنسيات المزدوجة (جنود Lone Soldiers)
تعتمد إسرائيل بشكل بنيوي على آلاف الجنود من حملة الجنسيات المزدوجة (أميركية، فرنسية، بريطانية، وأوكرانية) [4]. هؤلاء لا يصنفون دوليًا كـ “مرتزقة” بالمعنى الضيق لأنهم يحملون جنسية الكيان الصهيوني (عبر قانون العودة) أو يخدمون ضمن برامج تطوعية رسمية مثل برنامج “ماحال” (Mahal) [5]. ومع ذلك، فإن مشاركتهم ببدلات عسكرية للكيان في تدمير القرى وجنوب لبنان تثير جدلاً قانونيًا واسعًا في بلدانهم الأصلية، خاصة في أوروبا [6].
​2. شركات الأمن الخاصة والتعاقدات الخارجية (المرتزقة الحقيقيون)
​كشفت تحقيقات صحفية غربية (أبرزها ما نشرته صحف إسبانية وأفريقية) عن استعانة تل أبيب بشركات عسكرية خاصة (PMCs) لاستقطاب مقاتلين ذوي خبرة عالية من دول مثل إسبانيا، كولومبيا، وجنوب أفريقيا، بالإضافة إلى بعض المقاتلين الأوكرانيين السابقين [7].
​طبيعة المهام: هؤلاء المرتزقة لا يتم إقحامهم عادة في الخطوط الأمامية الأولى للمشاة (رأس الحربة) لمواجهة تحصينات المقاومة المباشرة، بل يُسند إليهم مهام:
​تأمين الخطوط الخلفية والمستوطنات المخلاة في شمال فلسطين المحتلة [8].
حراسة القواعد العسكرية واللوجستية التابعة لجيش الكيان الصهيوني [7].
المشاركة في عمليات التطهير والتمشيط داخل القرى اللبنانية الحدودية التي توغل فيها الجيش لتخفيف العبء الميداني عن جنود الاحتياط الصهاينة [9].
​ثانياً: المشاركة الأميركية والبريطانية في عمليات جنوب لبنان
​خلافًا لجنود المشاة العاديين، فإن الوجود الأميركي والبريطاني في حرب الجنوب اللبناني يأخذ طابعًا مؤسسيًا وسياديًا عالي المستوى، ويتجاوز فكرة “المرتزقة” إلى الشراكة العسكرية المباشرة [10].

  1. القوات والفرق الأميركية
    أكدت تقارير دفاعية أن التنسيق بين القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) وجيش الكيان الصهيونب وصل إلى ذروته خلال التوغلات الأخيرة في جنوب لبنان [11].
    ​غرف العمليات المشتركة: يدير ضباط من الاستخبارات العسكرية الأميركية وقوات النخبة غرف عمليات مشتركة داخل إسرائيل تُعنى بتحليل البيانات الجوية وصور الأقمار الصناعية اللحظية لرصد تحركات مقاتلي المقاومة ومنصات الصواريخ [12].
    ​قوات النخبة (Delta Force & Navy SEALs): يتواجد عناصر من هذه الفرق في تل أبيب وبعض القواعد الشمالية. تقتصر مهامهم المعلنة على “تقديم الاستشارات لعمليات إنقاذ الرهائن والتوغل الخاص”، إلا أن مصادر أمنية تلمح إلى مشاركتهم في تخطيط وإدارة عمليات الكوماندوز الخاطفة (الإبرية) التي تستهدف الأنفاق والمنشآت الحيوية في الحافة الحدودية لجنوب لبنان [13].
    ​2. القوات والفرق البريطانية
    ​تلعب المملكة المتحدة دورًا محوريًا، وتحديدًا عبر ذراعها الاستخباراتي والجوي المتمركز في القواعد العسكرية البريطانية في قبرص (أكروتيري) [14].
    سلاح الجو الملكي (RAF): تُسير بريطانيا رحلات استطلاع دؤوبة فوق الأجواء اللبنانية باستخدام طائرات “Shadow R1” وطائرات بدون طيار لجمع معلومات استخباراتية وإرسالها مباشرة إلى جانب الكيان [15].
    ​قوات النخبة البريطانية (SAS): تنتشر وحدات من القوات الجوية الخاصة (SAS) في المنطقة. ورغم أن لندن تدعي أن هدفها الاستعداد لعمليات إجلاء المواطنين البريطانيين، إلا أن تقارير تشير إلى تعاونها في تتبع شبكات الطائرات المسيرة التابعة للمقاومة وتحليل الأهداف الميدانية المعقدة في تضاريس الجنوب الوعرة [16].
    ​ثالثاً: الدوافع والأبعاد التحليلية للاستعانة بالقوات الأجنبية
    ​تأتي هذه الاستعانة المكثفة بالعنصر الأجنبي والدعم الغربي المباشر نتيجة لعدة عوامل استراتيجية يمر بها الكيان الإسرائيلي:
    .١ نزيف القوة البشرية للكيان: يعاني الجيش الكياني من إنهاك حاد ونقص في أعداد الجنود نتيجة طول أمد الحرب وتعدد الجبهات (غزة، لبنان، الضفة الغربية) [17]. فتحت الاستعانة بالمرتزقة والمتطوعين الأجانب الباب لتغطية العجز البشري.
    .٢ عقدة “الأرض الوعرة” في الجنوب: أثبتت معارك الخيام، وعيتا الشعب، وبنت جبيل أن التضاريس اللبنانية وشراسة حرب العصابات التي تخوضها المقاومة تتطلب قدرات رصد وتكنولوجيا متفوقة جدًا [18]. هنا يبرز الدور الأميركي-البريطاني عبر تزويد الكيان ببيانات استخباراتية تفوق قدرة الرصد المنفردة [15].
    .٣ التدويل غير المعلن للصراع: تسعى واشنطن ولندن إلى ضمان عدم انكسار التوازن العسكري للكيان أمام جبهات الإسناد الإقليمية، مما يدفعهما للانخراط العملياتي خلف الستار دون إعلان رسمي لتجنب الصدام المباشر مع القوى الإقليمية [10].
    ​خاتمة
    إن جبهة جنوب لبنان لم تعد مواجهة محلية، بل تحولت إلى مسرح عمليات دولي يختبر فيه جيش الكيان كل طاقاته المدعومة بترسانة استخباراتية وبشرية غربية وأجنبية [12]. ورغم التعتيم الإعلامي لدى الكيان الصارم على خسائر وهويات المقاتلين الأجانب، فإن الشواهد الميدانية والتقارير الاستقصائية تؤكد أن التوغل في الجنوب اللبناني يُدار بعقول وتكنولوجيا غربية، وبدماء يتم استيراد جزء منها من وراء البحار [7][11].
    ​الهوامش والمراجع
    .١ ​التقرير الأمني السنوي لبحوث الشرق الأوسط (2026): “تحولات الحرب الإقليمية وتداخل جبهات الشمال”.
    .٢ صحيفة لوموند الفرنسية (يناير 2026): تحقيق استقصائي حول “الجنود حملة الجنسيات المزدوجة في جبهات القتال الصهيونية”.
    .٣ ​مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية (لندن): تقدير موقف بشأن “الانخراط العسكري البريطاني غير المباشر في الشرق الأوسط”.
    .٥ الموقع الرسمي لبرنامج التطوع في جيش الكيان (Mahal): شروط التجنيد للأجانب من أصول يهودية.
    .٦ ​المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان (تقرير أواخر 2025): “قانونية ملاحقة المقاتلين الأجانب في صفوف جيش الاحتلال”.
    .٧ ​صحيفة الموندو الإسبانية (تحقيق استقصائي): “مرتزقة أوروبيون وكولومبيون يتقاضون أجورًا للقتال مع إسرائيل”.
    .٨ ​وكالة الأناضول التركية (مارس 2026): رصد ميداني لحجم القوات والتحصينات في المستوطنات الشمالية المحاذية للبنان.
    .٩ ​مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD): تحليل لوجستي حول إدارة القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي أثناء حرب الجبهات المتعددة.
    .١٠ معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI – تحديث 2026): “الدعم الاستخباراتي والتكنولوجي الغربي للكيان في حرب لبنان الثانية”.
    .١١ البيانات الرسمية للقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، فبراير-مارس 2026: تصريحات حول التنسيق الأمني لضمان الاستقرار الإقليمي.
    .١٣ ​مجلة “فورين بوليسي” (Foreign Policy): مقال تحليلي “أين تقف قوات الدلتا الأميركية من صراعات الشرق الأوسط الحالية؟”.
    .١٤ ​موقع “ديكclassified UK” الاستقصائي: “رحلات التجسس البريطانية المنطلقة من قاعدة أكروتيري في قبرص باتجاه الأجواء اللبنانية”.
    .١٦ ​مذكرات دفاعية صادرة عن البرلمان البريطاني (2025-2026): استجابات حكومية حول طبيعة مهام القوات الخاصة (SAS) في شرق المتوسط.
    .١٧ ​صحيفة يديعوت أحرونوت (أبريل 2026): تقرير عسكري حول “أزمة استنزاف الكادر البشري وجنود الاحتياط في معارك الجنوب وغزة”.
    .١٨ ​نشرات الميادين والمنار الإخبارية (بيانات المقاومة الإسلامية الميدانية): توثيق كمائن محاور اللبونة، الخيام، ومارون الراس.
    د. نبيلة عفيف غصن