لم تكن دماء القائد في كتائب القسام، الشهيد المجاهد أبو صهيب (عز الدين الحداد)، والتي روت ثرى فلسطين، مجرد حدثٍ عابر في سجل الاغتيالات الصهيونية؛ بل هي شرارةٌ نارية متجددة تثبت بالدليل القاطع أن المقاومة لا تقاد من الفنادق، بل تخوض غمار الموت من الخنادق، وأن قادتها هم طليعة الاستشهاد تماماً كما كان قائد طوفان الأقصى يحيى السنوار (أبو إبراهيم). إن هذا الاغتيال الجبان يمثل محاولة صهيونية يائسة لتسجيل “انتصار معنوي” وهمي، يغطي به الاحتلال على عار انكساره وعجزه العسكري والسياسي المتواصل في قطاع غزة وجنوب لبنان.
ثلاثية الوهم الصهيوني: عُقدة أكتوبر وضغط الابتزاز
يرتكز استهداف القائد الحداد على ثلاثة أوهام أساسية تعشش في ذهنية قادة الكيان:
أولاً: محاولة تجاوز “عُقدة السابع من أكتوبر”: وهي العقدة الوجودية والصدمة الاستراتيجية التي ضربت عمق الأمن الصهيوني، ولن يتجاوزها الكيان حتى يوم زواله.
ثانياً: الابتزاز السياسي والضغط على حركة حماس: يظن العدو واهماً أن تصفية القادة قد يدفع بالحركة إلى الرضوخ أو بيع مواقفها والتنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني وثوابته في غرف التفاوض، وهو ما أثبتت الأيام استحاله.
ثالثاً: محاولة ترميم صورة الجيش المأزوم: أمام صمود غزة وبأس المقاومة الإسلامية في لبنان—والتي تجلت مؤخراً في سحق قادة فصائل “لواء جولاني” (الذي هشمت القسام صورته سابقاً ويعجز اليوم عن مواجهة رجال الله في الجنوب)—يبحث نتنياهو عن أي إنجاز استخباري يداري به عجز جيشه عن حسم المعركة.
المفاوضات تحت النار: تعرية النوايا الصهيونية والتواطؤ الأمريكي
إن تسويق الاحتلال لسردية أن اغتيال الحداد جاء رداً على “رفض حماس لنزع سلاحها” يكشف عقلية صهيونية وقحة؛ فالعدو لا يبحث عن “سلام” أو “تسويات”، بل يريد من طاولة المفاوضات صك استسلام أبيض يوقعه الشعب الفلسطيني، متجاوزاً ومستخفاً بكل الخطط والمجالس الدولية.
حقيقة راسخة: المقاومة لا تنظر إلى التفاوض كمسارٍ بديل عن البندقية، بل هو “وجود سياسي” يواكب الفعل المقاوم في الميدان لانتزاع مصالح الشعب بأقل الأثمان. وإذا كان التفاوض سيعيق حقوق الفلسطينيين، فإن الخيارات العسكرية للمقاومة مفتوحة على مصراعيها ولم تُغلق يوماً.
وفي ظل الأنباء التي تُلمح إلى “علم مسبق وتواطؤ أمريكي” مع خطة اغتيال الشهيد الحداد، فإن المقاومة تضع المجتمع الدولي والوسطاء أمام مسؤولياتهم. إن الرسائل اليومية التي توثق خروقات الاحتلال وضعت على طاولات الوسطاء، وسلوك الإدارة الأمريكية (التي طالما تصرفت كبوق للاحتلال عبر مبعوثيها) سيكون تحت المجهر ليُبنى على الشيء مقتضاه.
إن دماء قادة القسام والشهداء من الأطفال والنساء هي وقود لمعركة لا تقبل التجزئة. والرد الحقيقي على جريمة اغتيال عز الدين الحداد لن يتوقف عند حدود ردٍّ تكتيكي هنا أو هناك؛ بل إن الرد الوحيد المقبول والمحتوم هو زوال هذا الاحتلال من كل فلسطين.
قد يملك نتنياهو آلة دمار عظيمة تقتل الأبرياء في فلسطين ولبنان، وتعتدي على سوريا والعراق وإيران، لكنه بات عاجزاً عجزاً مطلقاً عن حسم المعركة أو كسر إرادة المقاومة. لقد ارتقى الحداد شهيداً، لكن السلاح لم يسقط، والطريق الذي خطّه بدمائه ستمضي فيه المقاومة حتى التحرير الكامل.
د. نبيلة عفيف غصن
