سورية.. بين سقوط الدولة واغتراب الروح
طارق سيف الدين
لم يكن سقوط دمشق سقوطَ نظامٍ سياسيٍّ بالمعنى الاعتيادي لصيرورة تغيّر الأنظمة الحاكمة، بل كان انهيارًا مدوّيًا طال البنية الكاملة للدولة: اجتماعيًّا، واقتصاديًّا، ومؤسساتيًّا، على تعدّد المجالات وتشعّب الاختصاصات.
ولم يقف الخراب عند حدود الحجر والإدارة، بل امتدّ إلى الإنسان نفسه، إلى روحه ووعيه ووجدانه، حتّى غدت محاولة تقدير حجم الأضرار ضربًا من العجز، وغدا رسم حدٍّ لهذا الانهيار أمرًا متعذّرًا، في ظلّ تفاقم تمظهراته يومًا بعد يوم، واتساع رقعتها في الجسد السوري المُنهَك.
إلا أنّ أخطر تلك المظاهر، وأكثرها قلقًا وإثارةً للخوف، هو حالة التسليم الجماعيّ بما فرضته الأحداث ومجرياتها، والتعايش القاسي مع واقعٍ مفروض، كأنّ الشعور الاجتماعي قد خُدِّر، أو لُقِّح ضدّ الإحساس بالفجيعة والمِحنة.
حتى خُيِّل للعارف أنّ عملية استبدالٍ لشعبٍ كامل قد حدثت، وأنّ تعديلاً وراثيًّا أصاب جيننا السوري، فهُجِّرنا من إنسانيتنا قبل أن نُهجَّر من أرضنا، ودُجِّنت أرواحنا حتى ألِفَت القهر واستمرأت النزف.
فشعبنا السوري، الذي بُعثنا من رحمه، وحَيينا في دفء انتمائه، وعرفه العالم شعبًا ذا فطرة وطنية ونزعة قومية، حاملاً لهمّ النهضة، ورافعًا بروح حضارته رايات القيم والمبادئ الإنسانية؛ شعبٌ رفض الاحتلال في كلّ مراحله، وناصر المظلوم في وجه الظالم، لا يشبه أبدًا هذه الحالة الشعبية الراهنة، ولا يُقارن مجده في الأمس بواقع اللامبالاة والسكون الخامل الذي يخيّم اليوم على النفوس، تجاه ما يحدث على أرضه، وفي ملكيته، وما يصيب أبناءه وشرائح كاملة من مكوّناته الاجتماعية من ظلمٍ وقهر، كأنّ الأمر قدرٌ محتوم لا يُردّ، أو مصيرٌ مفروض لا يُقاوَم.
إنّ من الحكمة إدراك هول المصاب الجلل الذي خلّفه هذا السقوط المدوّي، فلكلّ حدثٍ بهذا الحجم آثارٌ جانبيّة حتميّة تصيب البلاد والعباد.
لكنّ الخطر الكارثي الحقيقي يبدأ حين تتحوّل تلك الآثار إلى تغييرٍ في طبيعة الجسد الأصلية، فيصيب التفكّك أنسجة البنية الروحية والأخلاقية للأمّة، وعندها لا يعود الخراب سياسيًّا أو اقتصاديًّا فحسب، بل يصبح تهديدًا لجوهر الوجود نفسه، وإعلانًا بطيئًا للموت المحتوم.
أيّها السوريون، لطالما كنّا مثال العائلة الكبيرة التي تنشر دفأها على امتداد الوطن كله. لطالما كنّا صورةً للتآخي والتكافل والتضامن، حتى بدا السوري أخًا للسوري وإن فرّقتهما المدن واللهجات.
قيل فينا كلّ وصفٍ نبيل، وضُربت الأمثال بكرمنا ومروءتنا ونخوتنا. فما بالنا اليوم نشحذ أنيابنا في لحم بعضنا بعضًا، بدل أن نشحذ الهمم لمداواة جراح بعضنا؟ وما بالنا نغرس أظافر الغدر في جلد إخوتنا، وندير ظهورنا لبعضنا بتجاهلٍ قاسٍ، حتى انحدر شعورنا بأبناء جلدتنا إلى دركٍ من القسوة والجفاء، متنازلين عن واجب، ومتغافلين عن حقّ، وناكثين صلةً لا تقلّ قداسةً عن صلة رحم الأم الرحوم؛ صلة رحم الأرض الطهور.
أما آن لنا، بعد كل ما نحن فيه، أن ندرك “أنّ المتنازلين عن الصراع متنازلون عن الحرية”؟
وأنّ الحرية ليست منحةً تُعطى، بل صراعٌ يُخاض لأجل تحقيق الأفضل؟
والأفضل لا يُبنى بالفرقة والتباعد، بل بالوحدة والتكافل، وبإحياء المعنى الحقيقي للانتماء.
واعلموا أنّنا، إن لم ننقذ أنفسنا من غيّها، وننقذ بلادنا من عقوق أبنائها، فلن يأتي أحد ليرحمنا أو ينتشلنا من قاع هذا السقوط. بل سيكون حكم الوجود علينا عبوديةً من الذلّ، استجديناها لأنفسنا بأيدينا، يوم تركنا الحقد يعمينا، والفرقة تقتات من أرواحنا.
أيها السوريون، لا تستحقّ سورية منّا كل هذا الخراب، ولا تستحقّ أجيالنا القادمة أن نورثها عبوديةً ارتضاها بعضنا واستسلم لها.
تعالوا ننفض عن أرواحنا غبارًا علق، ونغسل قلوبنا بالرحمة مما علق، مما علق بها من أحقاد.
تعالوا ننسج من آلامنا خيوط نور تهدينا إلى الطريق السليم، ونشيّد فوق جراحنا حدائق من تسامح ومحبة.
تعالوا نستأصل التطرّف من النفوس والنصوص، ونطرد غرباء الكراهية من بيننا، ونقيم صلاة الجنازة على فرقتنا، وإلى الأبد.
تعالوا إلى سورية؛ إلى وجهها الجميل، إلى حقيقتها التي لم تمت رغم كلّ هذا العقوق، إلى روحها التي ما زالت تنتظر أبناءها ليعودوا، وليعيدوا إليها نبضها.
فما فات أوان النهوض بعد، وما دام في القلب السوري نبض للحبّ، ففي سورية دائمًا موعدٌ للقيامة.
15/5/2026
طارق سيف الدين/ سورية الطبيعية
