في اللحظة التي ترتقي فيها الروح الوطنية إلى عنان السماء، وبينما تُسطر دماء المقاومين على حدود الأرض اللبنانية ملاحم عجزت عنها أعتى الجيوش الكلاسيكية، يخرج علينا “المنطق الرسمي” ليجرّنا إلى سراديب الهزيمة النفسية. الحوار الذي دار بين الكاتب ناصر الماغوط وبين “السلطة الرسمية” المتمثلة في شخص جوزاف عون، لم يكن مجرد مكالمة هاتفية، بل كان تجسيداً حياً لجدلية “الكرامة مقابل الراتب”، و”الثورة مقابل الروتين”.
قوة الضعف.. أم ضعف الإرادة؟
منذ متى كانت “قوة لبنان في ضعفه”؟ إنها الكذبة التاريخية التي صاغتها مخيلات الاستسلام لتبرير الانبطاح. التاريخ لا يكتبه الضعفاء الذين ينتظرون رواتبهم من وراء الحدود، بل يكتبه أولئك الذين يملكون القدرة على قول “لا” في وجه الريح. كيف يمكن لقائد جيش أن يتذرع بنقص الطيران والصواريخ، وهو يرى بأم عينه كيف تتحطم أسطورة “الميركافا” تحت أقدام مقاتلين لا يملكون سوى إيمانهم وقبضاتهم؟
إنَّ التذرع بـ “النص المكتوب” و”السيناريو العربي” هو اعتراف صريح بأن القرار الوطني ليس في بعبدا ولا في اليرزة، بل في عواصم تقتات على التبعية. إن القائد الذي يخشى أن “يُذبح” من إخوانه أو أعدائه إذا نطق بالحق، هو قائد ميت سريرياً قبل أن تبدأ المعركة.
المقاومة: ورقة قوة أم عبء مذهبي؟
من المعيب أن يُنظر إلى المقاومة – أي مقاومة – كـ “ميليشيا إيرانية” في وقت تقوم فيه بدور “الدرع الوطني” الذي يحمي ما تبقى من شرف الدولة. إن العدو الإسرائيلي نفسه، كما في تقرير صحيفة “معاريف”، يرتعد من فكرة التحام الجيش بالشعب والمقاومة. العدو يدرك مكمن القوة، بينما “القائد الرسمي” يخشى هذه القوة لأنها قد تخرج به عن “هامش المسموح به” دولياً!
يا سيادة الرئيس، ويا كل حاكم عربي مكبل بأغلال التبعية: الرجولة ليست في رتبة عسكرية ولا في بدلة أنيقة، الرجولة هي “موقف”. الفيتناميون لم يملكوا طائرات “أف 16″، والأفغان لم يملكوا تكنولوجيا الأقمار الصناعية، والجزائريون واجهوا حلف الناتو بصدور عارية.. لكنهم جميعاً ملكوا ما تفتقده “السلطات الرسمية”: الإرادة الصلبة.
السلطة مقابل القيادة
لقد لخص الحوار المأساة في جملة واحدة: “أنا سلطة رسمية، ماني قيادة ثورية”. وهنا يكمن الفرق بين من يدير “مكتباً” ومن يقود “أمة”. السلطة الرسمية تخاف على ميزانيتها، بينما القيادة الثورية تخاف على كرامتها. السلطة الرسمية تنفذ “السيناريو المكتوب”، والقيادة الثورية هي من “تكتب التاريخ”.
آن الأوان لنكسر “النص المكتوب”، ونخرج من عباءة “الضعف” إلى فضاء “العزة”. فمن لا يجرؤ على حماية شعبه بكلمة حق، لا يستحق أن يقوده في ساحات الحرب.
انتهى الكلام.. وبقي صوت الرصاص في الجنوب هو الحقيقة الوحيدة.
د. نبيلة عفيف غصن
