(قراءة في مئوية الارتهان وفرص النهوض)
صرخة في وادي التيه
لم يكن قدر لبنان أن يكون ساحة، بل أريد له أن يكون رسالة، لكن “المارونية السياسية” -في تجليها السلطوي لا الروحاني- استبدلت الرسالة بالوكالة، والسيادة بالارتهان. إننا أمام تشريح تاريخي لجسد سياسي استمرأ البحث عن الحماية خلف البحار وفي دهاليز القوى التي لا ترى في لبنان إلا “وظيفة” أو “مطية”. إن النهضة الحقيقية تبدأ بتمزيق الأقنعة، والاعتراف بأن الارتهان لـ “فرسان مالطا” أو “الوكالة اليهودية” لم يكن إلا انتحاراً بطيئاً للهوية التي ادعت الحرية.
أولاً: الفرسان خلف الستار.. العراب الدولي للمارونية السياسية
لطالما نُظر إلى “منظمة فرسان مالطا” (Sovereign Military Order of Malta) كجمعية خيرية، لكن الحقيقة السياسية والجيوسياسية أعمق من ذلك بكثير. إنها الكيان السيادي الذي لا أرض له، والذي عمل كـ “رحم أيديولوجي” للمارونية السياسية منذ إعلان لبنان الكبير عام 1920.
لقد قامت المنظمة بدور “الناقل الجيني” للقيم الغربية إلى قلب المشرق، حيث وفرت للنخبة المارونية الصاعدة غطاءً دولياً وحصانات دبلوماسية سمحت لها ببناء دولة داخل الدولة. لم يكن الدعم إنسانياً فحسب، بل كان “هندسة اجتماعية” تهدف إلى خلق جيب ثقافي وسياسي يأتمر بأوامر الدوائر الكاثوليكية العليا في أوروبا، مما خلق فجوة شعورية بين المارونية السياسية ومحيطها الطبيعي [1]. إن هذا الدور “اللوجستي الرفيع” هو الذي أقنع العقل الماروني الحاكم بأن حمايته تأتي من “السيادة العابرة للحدود” لا من الاندماج في نسيج المشرق، مما مهد الطريق لاحقاً لرهانات أكثر خطورة [2].
ثانياً: خطيئة التكوين.. عندما أصبحت الصهيونية “خياراً”
في لحظة من العمى الاستراتيجي، اعتقدت رؤوس في المارونية السياسية أن “تحالف الأقليات” هو طوق النجاة. هنا دخلت “الوكالة اليهودية” على الخط، مستغلةً خوف النخب المارونية من “المد العروبي” و”الأسلمة”. لم تكن العلاقة مجرد تنسيق، بل كانت “بيعة سرية” موثقة في أرشيفات الحركة الصهيونية منذ الثلاثينيات.
لقد سعت المارونية السياسية لتسويق فكرة “لبنان المسيحي” مقابل “فلسطين اليهودية” [3]. هذا المنطق الوظيفي جعل من بعض قادة المارونية “مطية” حقيقية لمشروع استعماري إحلالي. الاتصالات التي جرت بين البطريرك عريضة وإميل إده مع قادة الوكالة اليهودية لم تكن “دبلوماسية ضرورة”، بل كانت مقامرة بكيان لبنان وهويته. لقد كان المطلوب صهيونياً هو “شرعنة” الوجود اليهودي عبر وجود “غيتو مسيحي” موازٍ، وهو ما سقطت فيه المارونية السياسية في فخ “الوكالة” التي لم ترَ فيهم يوماً إلا حرس حدود لمشروعها التوسعي [4].
قبل نكبة فلسطين بعامين، صِيغت واحدة من أخطر الوثائق السرية في تاريخ المشرق. اتفاقية بين “الوكالة اليهودية” وممثلين عن المارونية السياسية، تضمنت اعترافاً متبادلاً بالحقوق القومية لكل طرف في أرضه المزعومة.
هذا النص لم يكن مجرد ورقة، بل كان “دستوراً خفياً” وجه سياسات الجناح المتطرف في المارونية السياسية لعقود. بموجب هذا الاتفاق، تعهدت الأطراف المارونية بفرملة أي تحرك لبناني جاد ضد المشروع الصهيوني مقابل دعم مالي وسياسي يثبت حكمهم في بيروت [5]. إن تحويل لبنان إلى “رئة” يتنفس منها المشروع الصهيوني في لحظات حصاره العربي، كان هو الهدف الأسمى للوكالة اليهودية، وهو ما نفذته المارونية السياسية بوعي أو بدونه، مما أدى إلى عزل لبنان عن محيطه وتحويله إلى بؤرة دائمة للانفجار [6].
رابعاً: عصر الانفجار والارتهان العلني (1975-1982)
مع اندلاع الحرب الأهلية، سقطت الأقنعة تماماً. لم يعد التعامل مع العدو الصهيوني تهمة، بل أصبح “استراتيجية بقاء” لدى الجبهة اللبنانية. كان بشير الجميل يمثل ذروة هذا المشروع الذي رأى في الدبابة الإسرائيلية وسيلة للعبور إلى قصر بعبدا.
في هذه الحقبة، تماهت المارونية السياسية مع الأجندة الإسرائيلية لدرجة الانتحار. لقد كان الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 هو “الخطيئة الكبرى” التي كشفت هشاشة المشروع الماروني؛ فعندما قُتل بشير الجميل، لم يتبقَّ للمارونية السياسية إلا الخراب، حيث تخلت عنها إسرائيل فور انتهاء مهمتها الوظيفية، وتركتها في مواجهة مريرة مع الداخل اللبناني ومع الواقع الإقليمي الجديد [7]. إن “فرسان مالطا” الذين كانوا يوفرون الغطاء الأخلاقي، وقفوا عاجزين أمام مشهد الدماء والارتهان الكامل لـ “النجمة الزرقاء” [8].
خامساً: من الطائف إلى الانهيار الكبير.. نزع المخالب
جاء اتفاق الطائف عام 1989 ليكون بمثابة “شهادة وفاة” للمارونية السياسية بصيغتها القديمة. نُزعت الصلاحيات، وفُككت الميليشيات، ووجد القادة الموارنة أنفسهم بين منفي ومسجون.
هنا، بدأت مرحلة “التيه الماروني”. حاول البعض التمسك بإرث “فرسان مالطا” عبر تدويل الأزمة، بينما ذهب آخرون نحو تحالفات هجينة. الانقسام الذي أحدثه “تفاهم مار مخايل” عام 2006 كان إقراراً ضمنياً بفشل مشروع “الاحتماء بالغرب” أو “الوكالة”، والبحث عن حماية داخلية عبر سلاح محلي وقوة إقليمية جديدة (محور المقاومة) [9]. لكن هذا التحول لم ينقذ المارونية السياسية من فقدان دورها الريادي، بل جعلها “شريكاً صغيراً” في معادلة لم تعد تملك مفاتيحها.
سادساً: الانهيار المالي والديموغرافي.. نهاية “لبنانهم”
لم يقتصر سقوط المارونية السياسية على السياسة، بل ضرب ركائز وجودها:
.١ النظام المصرفي: الذي كان “خزنة” المارونية السياسية وأداة سيطرتها، انهار بالكامل، مما أفقدها قدرتها على التأثير الاقتصادي.
.٢ الهجرة النخبوية: فرغ لبنان من كوادره المارونية التي كانت تشكل العقل المدبر للدولة، مما حول المنصب الماروني الأول (الرئاسة) إلى كرسي فارغ أو معطل [10].
.٣ فقدان الوظيفة الدولية: لم يعد العالم الغربي يرى في المارونية السياسية “حاجة” استراتيجية كما في عهد الحرب الباردة، مما جعلها وحيدة أمام عواصف التغيير الإقليمي.
على المارونية السياسية أن تدرك أن زمن “المطية” قد ولى إلى غير رجعة، وأن أمانها الحقيقي ليس في “تحالف الأقليات” بل في “اتحاد المواطنين”. إن لبنان القوي هو الذي يبنيه أبناؤه بعيداً عن كواليس السفارات. إنها دعوة لثورة فكرية تعيد للموارنة دورهم كرواد للنهضة العربية لا كحراس للقلاع المعزولة. لقد حان الوقت لتمزيق صكوك الارتهان وكتابة وثيقة ولادة جديدة للبنان سيد، حر، ومستقل، ينتمي لترابه لا لأوهام الحماية الخارجية.
.٢ بيار غوميز، فرسان مالطا: الدبلوماسية الصامتة في المشرق، (باريس: إصدارات الكنيسة)، 1999، ص 115-120. تفاصيل حول الهيكلية السياسية للمنظمة في لبنان.
.٣ إيتمار رابينوفيتش، الحرب من أجل لبنان 1970-1985، (نيويورك: جامعة كورنيل)، ص 34-40. توثيق للعلاقات التاريخية بين الموارنة والحركة الصهيونية.
.٩ أنطوان مسرة، النظام السياسي اللبناني: دراسة في الدستور والمجتمع، (بيروت)، ص 215. تحليل لتحولات ما بعد الطائف.
.١١ نص اتفاق “مار مخايل” (2006)، الأرشيف الوطني اللبناني.
.١٢ كمال صليبي، تاريخ لبنان الحديث، (لندن)، ص 245. قراءة في صعود وهبوط الهيمنة المارونية.
د. نبيلة عفيف غصن
