المقدمة: صرخة من مهد الحضارات
​لا يمثل العراق في الوجدان الكوني مجرد إحداثيات جغرافية أو خزان هائل للموارد النفطية، بل هو “القلب النابض” للتاريخ البشري والمركز الحضاري الذي انبثقت منه أولى أبجديات القانون والكتابة والمدنية. إن استهداف العراق ليس مجرد رغبة في الهيمنة السياسية العابرة، بل هو استراتيجية كونية تهدف إلى كسر “الإرادة التاريخية” لهذا المركز لضمان شلل الشرق الأوسط برمته. إن ما يشهده العراق اليوم ليس فوضى عفوية أو نتاج فشل إداري فحسب، بل هو “إبادة حضارية” ممنهجة (Cultural Genocide) تهدف إلى تحويل مهد البشرية من فاعل تاريخي مهيب إلى ساحة خلفية مستباحة تخدم مصالح الغرب الإمبريالي. إننا أمام عملية “اغتيال للذاكرة” تمهيداً لسرقة المستقبل، حيث يمتزج الرصاص بالأيديولوجيا، وتتحول المسلات الأثرية إلى رهائن في متاحف المستعمرين [1].
​أولاً: تفتيت الهوية الجامعة.. من “عظمة حمورابي” إلى “عزلة المكونات”
​تمثلت أكبر جريمة ارتكبها الاستعمار الحديث، الذي تقوده الولايات المتحدة وبريطانيا منذ غزو عام 2003، في تحطيم “العمود الفقري” للدولة الوطنية العراقية. لم يكن الهدف إسقاط نظام سياسي فحسب، بل كان الهدف هو تفكيك مفهوم “المواطنة” الذي صهر العراق عبر آلاف السنين.
​1. هندسة الكانتونات والخرائط الممزقة:
لقد جلب المستعمر معه نظام “المحاصصة” (Ethnocracy)، وهو النظام الذي حول العراق من دولة تمتلك إرثاً حضارياً عابراً للأديان والأعراق، يجمع السومري والآشوري والعربي والكردي والتركماني، إلى “سجن كبير” من الكانتونات الطائفية والعرقية المتناحرة. هذه الهندسة الاجتماعية الخبيثة جعلت الانتماء لـ “المكون” يسبق الانتماء لـ “الوطن”. إن تحويل العراق إلى فسيفساء من الكراهيات المتبادلة يخدم غرضاً استعمارياً واحداً: منع نشوء أي كتلة وطنية صلبة تستطيع قول “لا” للمشاريع الخارجية [2].
عندما يستغرق الإنسان العراقي في الدفاع عن حصة طائفته أو عرقه في السلطة، فإنه يغفل عن حقيقة أن الأرض وما عليها وما تحتها يتم نهبها. هذا التفتيت يضمن ألا تقوم للعراق قائمة كقوة إقليمية موحدة تهدد أمن الكيان الصهيوني أو تعيد رسم توازنات الطاقة. لقد أصبح من السهل على القوى الخارجية التلاعب بالقرار العراقي عبر دعم فصيل ضد آخر، مما يجعل الجميع ضعفاء ومحتاجين دائماً لـ “الوسيط” أو “المحتل” الذي يختبئ خلف ستار الديمقراطية الزائفة. إن “كانتونة” العراق هي الضمانة الاستعمارية لاستدامة التخلف والتبعية [3].
​ثانياً: التبعية الاقتصادية.. النفط مقابل “البقاء” لا “النماء”
​يُدار الاقتصاد العراقي اليوم بعقلية “الرهينة”، حيث يتم تقييد ثروات البلاد الهائلة بسلسلة من القيود الهيكلية التي تفرغ الاستقلال من مضمونه.
إن ربط المورد الوحيد للعيش في العراق (النفط) بالمنظومة المصرفية الدولية، وتحديداً “صندوق الاحتياطي الفيدرالي” في نيويورك، يعني أن السيادة العراقية هي سيادة منقوصة بالضرورة. إن أي محاولة عراقية لاتخاذ قرار سياسي سيادي لا يروق لواشنطن تقابل فوراً بـ “الخنق المالي”، عبر التلاعب بسعر صرف الدولار أو تجميد التحويلات. لقد تحول النفط من أداة لبناء القوة الوطنية إلى “حبل مشنقة” يلفه المستعمر حول عنق الدولة متى شاء [4].
​2. تدمير الإنتاج واستنبات الاستهلاك:
ضمن استراتيجية التبعية، جرى تدمير متعمد للبنية التحتية الصناعية والزراعية العراقية. تحول العراق، الذي كان “سواد الأرض” ومنبع الاكتفاء، إلى سوق استهلاكية كبرى مفتوحة لمنتجات الغرب ودول الجوار. هذا التحول لم يكن صدفة، بل هو قرار سياسي يهدف إلى إبقاء العراق في حالة “احتياج دائم”. إن تجريد العراق من قدرته على إنتاج غذائه ودائه يعني أن قرار “الخبز” العراقي لم يعد في بغداد، بل في العواصم التي تدير سلاسل التوريد العالمية. إنها “عبودية اقتصادية” حديثة ترتدي ثوب التجارة الحرة [5].
​ثالثاً: النزيف الثقافي.. محو الذاكرة لشرعنة “الرواية البديلة”
​إن نهب الآثار الرافدية (السومرية، البابلية، والآشورية) واحتجازها في أروقة “المتحف البريطاني” أو “اللوفر” ليس مجرد شغف بـ “الفن القديم”، بل هو ركن أساسي في الحرب النفسية والأيديولوجية ضد المنطقة.
​1. إفراغ الأرض من شهودها التاريخيين:
عندما تُسرق “مسلة حمورابي” أو “الثيران المجنحة” من نينوى، فإن المستعمر لا يسرق حجراً، بل يسرق “شاهد إثبات”. إن تجريد العراقي من رؤية عظمة أجداده يومياً هو محاولة لقطع صلة الوصل التاريخية، مما يخلق جيلاً بلا “بوصلة هوية”. الإنسان الذي لا يرى خلفه ستة آلاف عام من الحضارة، يسهل إقناعه بأنه كائن “هامشي” يحتاج للوصاية الغربية لتعليمه مبادئ التمدن [6].
​2. استثمار الرواية التوراتية وشرعنة الصهيونية:
هنا يبرز الربط الأيديولوجي الأخطر. لقد استثمر الاستعمار البريطاني ومن بعده الأمريكي ما يسمى “علم الآثار التوراتي” لخدمة أجندات سياسية. الهدف كان دائماً البحث عن أدلة مادية تثبت الروايات التوراتية (مثل جنة عدن، طوفان نوح، وأور الكلدانيين) ليس كحقائق تاريخية مجردة، بل كأدوات لشرعنة المشروع الصهيوني.
عبر تضخيم “التاريخ اليهودي” القديم في العراق وفلسطين وجعله المحور الأساسي للتنقيب، تم خلق تبرير أخلاقي لزرع الكيان الصهيوني باعتباره “عودة للحق القديم”. إن احتجاز آثار العراق في لندن هو رسالة سياسية عميقة تقول: “أنتم (العراقيون) مجرد حراس طارئين على هذه الأرض، أما نحن (الغرب) فالورثة الحقيقيون لهذا التراث الديني والحضاري”. إنهم يعيدون صياغة جغرافيا العراق لتصبح مجرد “محطات مقدسة” في الرواية الغربية، مما يبرر تدخلهم الدائم بحجة “حماية التراث العالمي” [7].
​الخاتمة: نحو نهضة عراقية تكسر “ثالوث الحصار”
​إن السيطرة على العراق اليوم تتم عبر “ثالوث جهنمي”: الجغرافيا (عبر النفط)، التاريخ (عبر نهب الآثار)، والمستقبل (عبر التبعية السياسية). إن العقل الاستعماري يدرك تماماً أن بقاء العراق مشتتاً ومسروق الذاكرة هو الضمانة الوحيدة لمنع نشوء “نبوخذ نصر” جديد أو “حمورابي” معاصر يعيد صياغة قوانين القوة في الشرق الأوسط.
​ولكن، إن التاريخ الذي يحاولون سرقته يعلمنا أن هذه الأرض “ولادة”، وأن النزيف لا بد أن يتوقف بيد أبنائها. إن النهضة العراقية المنشودة تبدأ من استعادة الوعي بالهوية الجامعة، ورفض “كانتونات” الوهم، والمطالبة الصارمة باستعادة كل ذرة تراب وأثر نُهب من “نينوى” و”أور”. إن استعادة الآثار من لندن ليست معركة “متاحف”، بل هي معركة “سيادة” واسترداد للروح الوطنية.
​لقد آن الأوان ليخرج العراق من عباءة التبعية ليعود “قلباً” لا “ساحة”، و”فاعلاً” لا “مفعولاً به”. إن المستقبل يُصنع في بغداد، لا في أروقة “المتحف البريطاني” ولا في دهاليز “البنك الدولي”.
​لائحة الهوامش والمراجع
​الهوامش:
.١ ​[1] يشير مفهوم “الإبادة الثقافية” إلى التدمير الممنهج للمعالم والرموز التي تشكل هوية شعب ما لسهولة السيطرة عليه.
.٢ ​[2] نظام المحاصصة في العراق بعد 2003 استنسخ تجارب فاشلة لضمان استمرارية النزاع الداخلي.
.٣ ​[3] انظر دراسات “ما بعد الاستعمار” حول كيفية استخدام التنوع العرقي كأداة للتقسيم (فرق تسد).
.٤ ​[4] الحساب السيادي العراقي في بنك الاحتياطي الفيدرالي هو القيد المالي الأكبر على القرار العراقي.
.٥ ​[5] سياسة “الباب المفتوح” التي فرضت بعد 2003 أدت إلى انهيار القطاع الصناعي العراقي تماماً.
.٦ ​[6] استعادة الآثار هي جزء من القانون الدولي (اتفاقية اليونسكو 1970) لكن الدول الاستعمارية تماطل في تنفيذها.
.٧ ​[7] استخدام “الأركيولوجيا” كأداة سياسية هو نهج بريطاني قديم بدأ مع “صندوق استكشاف فلسطين” (PEF) وامتد للعراق.
​المراجع:
​إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة محمد عناني.
​طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، طبعة بغداد.
​علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث.
​زينب بحراني، بلاد الرافدين: الفن والابتكار والحداثة (حول نهب الآثار وسياقاتها السياسية).
​رشيد الخالدي، حرس الهوية: قصة المقاومة والاحتلال في العراق.
​ناعم شومسكي، فشل الدول: الاعتداء على الديمقراطية وسرقة الموارد.
د. نبيلة عفيف غصن