لا يمكن وصف ما يحدث في الساحل السوري اليوم، وتحديداً في أيقونة الجمال “وادي قنديل”، إلا بأنه “مجزرة بصرية” وجريمة مكتملة الأركان تُرتكب بحق الطبيعة والتاريخ. إنها لحظة الحقيقة المُرّة التي نرى فيها تراب الوطن يُعرض في مزادات “الاستثمار” الباردة، حيث تتحول الشواطئ البكر التي كانت مِلكاً لكل سوري، إلى مساحات محاصرة بكتل أسمنتية صماء، تُبنى بأموال لا تعرف سوى لغة الربح، ولا تفقه شيئاً في لغة الانتماء.
إن الهجوم الكاسح لما يسمى “الاستثمار” على المناطق الطبيعية المحمية ليس إعماراً، بل هو “استعمار ناعم” يهدف إلى تجريد الإنسان السوري من ملاذه الأخير. كيف يجرؤ هؤلاء على مساس طهر الطبيعة في وادي قنديل؟ تلك البقعة التي لم تكن تحتاج يوماً إلى ناطحات سحاب أو منتجعات باذخة لتثبت جمالها، بل كانت عظمتها في بساطتها، وفي ذلك العناق الأبدي بين الجبل والبحر الذي لم تلوثه يد العبث العمراني.
إن السؤال الذي يحرق الصدور هو: لمصلحة من تُباع هذه الجنان؟ ومن أعطى الحق لتحويل “رئة الساحل” إلى غابة من الخرسانة؟ إننا أمام عملية “اغتيال” للهوية الجمالية السورية. فالمستثمر الذي يأتي من خلف الحدود، أو حتى ذاك المحلي الذي لا يرى في الأرض إلا أرقاماً، لا تعنيه ذكرياتنا فوق تلك الصخور، ولا يهمه أن يحرم المواطن البسيط من حقه الطبيعي في استنشاق هواء بحره دون أن يضطر لدفع “ضريبة” دخول لمنتجعاتهم المسوّرة.
يا أصحاب الأرض، يا من تملكون شبراً في هذا الساحل المقدس: الأرض ليست سلعة، والوطن ليس عقاراً للمقايضة. إن بيع الأراضي تحت إغراءات المال هو تنازل عن كرامة المكان وعن مستقبل الأجيال القادمة. فما نبيعه اليوم بـ “الذهب” لن نستطيع استرداده غداً بكل كنوز الأرض إذا ما طُمست معالمه واختفت هويته تحت وطأة الأسمنت الغريب.
لقد حان الوقت لرفع الصوت عالياً ضد هذا التغول. إن التطوير الذي لا يحترم البيئة، ولا يضع الإنسان السوري في أولوياته، هو تطوير “مشوه”. نحن لا نريد “دبي” أخرى على أنقاض هويتنا الساحلية، بل نريد وادي قنديل كما كان؛ حراً، بكراً، ومتاحاً للجميع. كفوا أيديكم عن شواطئنا، واتركوا للطبيعة قدسيتها، فللأسمنت مدنه، وللروح ملاذاتها التي لن نسمح بأن تتحول إلى مجرد “مشاريع استثمارية” عابرة في دفاتر السماسرة.
د. نبيلة عفيف غصن
