تكاليف العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران!
الطاهر المعز
الصواريخ الإيرانية الرّخيصة في مواجهة الأسلحة الأمريكية باهظة الثمن
في أوائل أبريل/نيسان 2026، دمرت الولايات المتحدة طائرة تابعة لها بقيمة 386 مليون دولار، لإنقاذ عقيد من سلاح الجو أُسقطت طائرته في الأراضي الإيرانية، واستُخدمت معدات أكثر مما تستطيع عدة دول جلبه إلى ساحة المعركة طوال عام كامل.
بدأ العدوان على إيران رسميًا يوم 13 حزيران/يونيو 2025، بهجوم صهيوني على مراكز قيادة ومواقع صواريخ تابعة للحرس الثوري في أصفهان، وردّت إيران بقصف بعيد المدى، وحطمت أسطورة القوة الجوية والدفاع الصاروخي واقتصاديات الحرب الحديثة، مما جعل الجيش الأمريكي يخوض الحرب علنًا إلى جانب الجيش الصّهيوني، وأطلق الجيش الأمريكي ( خلال ستة عشر يوما) أكثر من 11 ألف قذيفة متطورة، واضطرت الولايات المتحدة إلى تجديد مخزون الذخائر ، وفق المعهد المَلَكِي للخدمات ( RUSI ) – لندن.
أطلقت إيران أكثر من 771 صاروخًا باليستيًا على أهداف في أنحاء المنطقة (العراق والكويت والبحرين وقطر والإمارات والسعودية والأردن وفلسطين المحتلة) وفقًا لموقع “ديفنس إكسبرس”، وأعلنت الإمارات اعتراض 152 صاروخًا من أصل 165 صاروخًا باليستيًا، لكنها تكبّدت أيضًا 35 عملية قصف بطائرات مُسيّرة، ومنذ ذلك الحين، تتعرض مخزونات الصواريخ الاعتراضية لدى جميع دول المنطقة لضغوط متزايدة لا تتوزّع بالتساوي بين أطراف هذه الحرب، إذْ تُقَدّر تكلفة صاروخ فتاح-2 الإيراني فرط الصوتي بحوالي 400 ألف دولار، فيما تُقَدَّرُ قيمة صاروخ باتريوت باك-3 الاعتراضي، الذي استُخدم لإسقاطه، حوالي 4 ملايين دولار للوحدة، بينما يصل سعر صاروخ ثاد الاعتراضي إلى ما بين 10 و12 مليون دولار، أي عندما تُنفق إيران بضع مئات الآلاف من الدولارات، تنفق الولايات المتحدة ملايين الدولارات…
أثبتت استراتيجية إيران في استخدام الطائرات المسيّرة فعاليتها بشكل خاص في إضعاف الدفاعات قبل وصول الصواريخ الباليستية الأكثر تكلفة، وفق موقع صحيفة “آسيا تايمز” ( 30 نيسان/ابريل 2026) واستخدمت إيران طائرات مسيّرة رخيصة بأعداد كبيرة كافية لاستنزاف أنظمة الرادار وإيقاف طوابير اعتراض الصواريخ، مما يفسح المجال أمام صواريخ ذات قوة تدميرية هائلة، وذكرت وكالة الأناضول أن ما لا يقل عن 12 نظام رادار أمريكي وحليف قد أُصيب منذ بدء الحرب، في محاولة متعمدة لإعاقة الدفاعات قبل وصول الضربات الرئيسية، وأكّد الموقعالصهيوني ( مليتاري ووتش ماغازين ) “إن نسبة نجاح الصواريخ الإيرانية في إصابة الأهداف بلغت 80% مع بدء تراجع الدفاعات الجوية، وهو رقم كان سيبدو مستبعدًا في بداية الصراع…”
في الثالث من نيسان/ابريل 2026، أُسقطت الدّفاعات الجوية الإيرانية المُصنّعة محلّيّا طائرة إف-15 إي سترايك إيغل فوق جنوب غرب إيران، وفق وكالة رويترز، وأصبح العقيد الذي نجا من الحادث هدفًا لعملية إنقاذ استمرت 36 ساعة، استُخدمت فيها طائرتان نقل من طراز سي-130، وطائرة إيه-10 ثندربولت، والطائرة إف-15 إي الأصلية، حيث دمرت القوات الأمريكية طائرتي سي-130 على الأرض لمنع وصول تقنيتهما إلى الجيش الإيراني. وقدّر موقع “كلاش ريبورت” القيمة الإجمالية للطائرات المدمرة بنحو 386 مليون دولار، وفي التاسع من نيسان/ابريل 2026، فَقَدَ الجيش الأمريكي طائرة استطلاع بدون طيار من طراز إم كيو-4 سي، تبلغ قيمتها 240 مليون دولار، أثناء دورية روتينية فوق الخليج العربي، وانحرفت عن مسارها باتجاه إيران، حيث تحطمت، وأكّدت البحرية الأمريكية الحادث وقيمة الخسائر يوم الرابع عشر من نيسان/ابريل 2026، واعتبرته “حادث طيران من الفئة أ” وفق موقع صحيفة “يوراسيا تايمز”
تُخفي الولايات المتحدة الحجم الحقيقي للخسائر، وفق موقع “ميليتاري تايمز” بتاريخ الثامن من نيسان/ابريل 2026، وقناة “برس تي في” بتاريخ 17 نيسان/ابريل 2026، وأعلن مسؤولون إيرانيون أن بعض عمليات الإنقاذ كانت عمليات تمويه للوصول إلى مواقع تخصيب اليورانيوم، ولاحظ مُحَلِّلُون مثستَقِلُّون “إن الخسائر الأمريكية فادحة” وإن الجيش الأمريكي لم يتمكّن من “السيطرة على إعادة التموين”، أي القدرة على إعادة التموين بوتيرة أسرع من الاستهلاك…
صَرَّحَ وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أمام الكونغرس يوم الثلاثاء 28 نيسان/ابريل 2026، إن تكاليف العدوان الأمريكي على إيران “بلغت حتى الآن 25 مليار دولار” وهو مبلغ مُضَلّل ولا يعكس حقيقة الخسائر الأمريكية، مقارنة بالميزانية الضّخمة للجيش الأمريكي، ويقتصر مبلغ الـ 25 مليار دولار على التكاليف المباشرة للحرب، ولا يوجد أي حساب لتكلفة استبدال المخزون الهائل من الصواريخ والطائرات والأسلحة الأمريكية الأخرى التي استُهلكت خلال العدوان.

تشير تقديرات جو ستيغليتز سنة 2008 إلى أن احتلال العراق كلّف ثلاث تريليونات دولار، وقد أخذ تقديره في الحسبان أن حرب العراق كانت مسؤولة عن معظم عجز الميزانية الأمريكية، والذي تم تمويله بسندات ذات فوائد متزايدة، كما أُخذت في الاعتبار تكاليف إدارة شؤون المحاربين القدامى المتعلقة بالجنود الأمريكيين المصابين، والمدفوعات المقدمة لأقارب القتلى…
وجّهت إدارة دونالد ترامب مبالغ ضخمة لإعادة بناء مجمع صناعي عسكري أضخم، بهدف إعادة تزويد الولايات المتحدة بالصواريخ التي استنفدها الجيش في العدوان على إيران، وأشارت بعض البحوث الأكاديمية إن الجيش الأمريكي (والشركات المتعاقدة معه) يُجْرِي أبحاثًا لتحديد نوع الأسلحة التي ستكون فَعّالة في الحرب المتوقعة ضد الصين خلال بضع سنوات، وأصبحت النزعة العسكرية الكينزية عبئًا على الاقتصاد بدلًا من أن تكون وسيلة لزيادة الإنتاج الصناعي، وسيدفع الاقتصاد الأمريكي مبالغ إضافية مقابل الطاقة في ظل الأسعار المرتفعة التي فرضها إغلاق ترامب لمضيق هرمز كما ستُكلف ميزانية الجيش البالغة 1,5 تريليون دولار سنويًا عبئًا إضافيا بقيمة ستين مليار دولار سنويًا بفعل العجز وسعر الفائدة البالغ 4% ولن يُعوّض ارتفاع الميزانية العسكرية الإفلاسات وحالات التعثر المالي وانهيار أسعار الأسهم والسندات الأمريكية وتراجع الواردات الأجنبية من الولايات المتحدة باستثناء النفط والغاز الطبيعي المسال.
كشفت تحقيقات أجرتها شبكة “سي إن إن” وصحيفة “وول ستريت جورنال” ( 20 آذار/مارس 2026) عن شبكة واسعة من مدن الصواريخ الإيرانية تحت الأرض، وهي عبارة عن أنفاق محصنة محفورة تحت الأراضي الإيرانية، حيث تُخزن الصواريخ الباليستية، ويمكن إطلاقها بسهولة، كما كشفت عمليات الرصد، من مصادر مفتوحة، عن قاعدة بحرية إيرانية تحت الأرض على عمق 500 متر، مجهزة بسفن مزودة بصواريخ، وقد زادت هذه المنشآت من الصعوبات الأمريكية والصهيونية لتدمير القدرات الصاروخية الإيرانية.
أضافت الصين وروسيا بُعدًا جديدًا للصراع، ففي منتصف أبريل، أفادت وكالة رويترز وصحيفة فايننشال تايمز ( 14 نيسان/ابريل 2026)، “إن إيران استخدمت قمرًا صناعيًا صينيًا للتجسس لاستهداف قواعد أمريكية”، ونفت الصين هذا الخبر، فيما كتبت صحيفة “تلغراف” (17 نيسان/ابريل 2026) “زَوّدت روسيا والصين حليفتهما إيران بمعلومات استخباراتية آنية حول تحركات القوات والطائرات الأمريكية، وبذلك أصبحت إيران ساحة اختبار متقدمة للأنظمة والتكتيكات التي قد تستخدمها الصين وروسيا يومًا ما بشكلٍ مباشر في حرب إقليمية، في إطار التّنافس بين القوى العظمى في حرب إقليمية، وأعلنت شبكة “سي إن إن” ( 11 نيسان/ابريل 2026) في إطار الدّعاية الأمريكية: “تُجهّز الصين شحنات أسلحة إلى إيران حتى خلال فترة وقف إطلاق النار “
إن نموذج الهيمنة الجوية الأمريكية القائم على منصات باهظة الثمن وذخائر موجهة بدقة يتعرض لضغوط شديدة عندما يكون الخصم مستعدًا لإطلاق أسلحة رخيصة بأعداد كبيرة، وغيرت الولايات المتحدة تكتيكاتها ففَرَضَتْ حصارًا على مضيق هرمز الذي تتحكم به إيران، وعلقت ناقلات النفط الهندية في تبادل إطلاق النار، وفقًا لموقع “ذا كوينت”، مما يُشكل ضغطًا اقتصاديًا على أسواق الطاقة العالمية لا يمكن حله بالقوة الجوية في وقت قصير، لكن وقف إطلاق النار هش ومؤقت، ولم ينته العدوان الأمريكي الصهيوني، لكن التفوق ( الأمريكي الصهيوني) المُفْتَرَض في المعدات العسكرية يُترجم تلقائيًا إلى تكاليف يمكن التحكم بها، فكل صاروخ اعتراضي أمريكي بقيمة أربعة ملايين دولار يُطلق على صاروخ إيراني بقيمة مائتَيْ ألف دولار يُعد خسارة مالية طفيفة، ولكن تتراكم الهزائم الصغيرة، على مدار آلاف المواجهات، لتُشكل خسارة لا يمكن إخفاؤها تمامًا.
أجبر الصراع الإيراني في الفترة 2025-2026 على إعادة النظر في حقيقة أساسية من حقائق الحروب الحديثة: إن الجانب القادر على تحمل التكاليف لفترة أطول هو من يفوز، بغض النظر عن مدى تطور طائراته، فقد بنت إيران أسلحة رخيصة، مُحَصَّنَة ومُوَزَّعَة على مناطق عديدة وتطلق النار بكثافة. أما الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، فيستخدمان أسلحة باهظة الثمن، متعددة الطبقات، ودقيقة، ووجد الجيشان المُعْتَدِيان صعوبة في الحفاظ على هذه الخصائص على نطاق واسع.
لم يتم نقاش تكلفة العدوان في الولايات المتحدة، كما حَصَل قبل ستين عامًا، في خضم المعارضة للعدوان الأمريكي على فيتنام، فقد عبّرَ قسم هام من الأمريكيين عن معارضته “تحويل موارد الولايات المتحدة بعيدًا عن الإنفاق الاجتماعي إلى الجيش”، عندما اكتسبت الحركة المناهضة للحرب زخماً كافياً لإسقاط روبرت ماكنمارا ( وزير الحرب) وليندون جونسون ( رئيس الولايات المتحدة بعد اغتيال جون كينيدي) سنة 1968، لكن معارضة العدوان على إيران ضعيفة، في الولايات المتحدة كما في أوروبا، كما يتّفق الحزبان اللّذان يتداولان على السُّلْطة ( الحزب الجمهوري والحزب

الدّيمقراطي) على ضرورة الحفاظ على التّفوق الأمريكي من خلال العدوان وخوض حرب فاترة وخَفِيّة،طويلة الأمد مع روسيا والصين وإيران وغيرها…