في الجنوب اللبناني، حيث تختلط رائحة التراب بذاكرة الدم، وحيث اعتاد الناس أن يعيشوا تحت ظل التهديد الدائم، وقعت جريمة تكشف مرة جديدة حقيقة الكيان الصهيوني خلف أقنعة “الجيش الأخلاقي” والدعاية الغربية المصقولة. في النبطية الفوقا، لم يكن المشهد مواجهة عسكرية، ولا اشتباكاً بين جيوش، بل عملية مطاردة دموية لأب وابنته، نفذتها مسيّرات الاحتلال بإصرار بارد يكشف ذهنية قائمة على الانتقام والإبادة النفسية والجسدية للمدنيين.
لم تكن الغارة الأولى كافية. حين نجا الأب وابنته وحاولا الفرار من الموت، قررت المسيّرة أن تلاحقهما. هنا يسقط كل حديث عن “أخطاء تقنية” أو “أضرار جانبية”. نحن أمام قرار واعٍ بالمطاردة والتصفية. غارة ثانية مزقت جسد الأب وأسقطته شهيداً، لكن المشهد لم ينتهِ عند هذا الحد. الطفلة الصغيرة التي هربت مذعورة لمسافة تقارب المئة متر، لم تُترك لتنجو، بل لحقتها المسيّرة بغارة ثالثة مباشرة، في جريمة تختصر جوهر العقلية الصهيونية حين تنفلت من كل قناع.
أي جيش هذا الذي يلاحق طفلة هاربة بالصواريخ؟ أي “دفاع عن النفس” يمكن أن يبرر تحويل طفولة الجنوب إلى أهداف متحركة للطائرات المسيّرة؟ إن ما جرى في النبطية الفوقا ليس حادثة معزولة، بل امتداد لعقيدة كاملة ترى في المدني العربي هدفاً مشروعاً، وترى في قتل الأطفال أداة لترهيب البيئة الحاضنة للمقاومة وكسر إرادة الناس عبر بث الرعب الجماعي.
إنها نازية العصر، لكن بوسائل أكثر تطوراً ولغة إعلامية أكثر نفاقاً. ففي الماضي، كانت الجيوش الغازية تدخل القرى بالنار والحديد، أما اليوم فالمسيّرات تحوم فوق رؤوس المدنيين، تراقبهم بدقة، ثم تختار لحظة القتل بدم بارد، بينما تتكفل الآلة الإعلامية الغربية بتبييض الجريمة وتقديم القاتل كضحية. الفارق الوحيد أن التكنولوجيا تطورت، أما جوهر الوحشية فلم يتغير.
الاحتلال الذي يفاخر بمنظوماته الذكية وقدراته الاستخباراتية لا يستطيع الادعاء بأنه لم يعرف أن هدفه كان طفلة وأباها. هذه الطائرات ترى أدق التفاصيل، وتلاحق الأفراد لحظة بلحظة، ما يعني أن قرار الاستهداف كان متعمداً بالكامل. وهذا ما يجعل الجريمة أكثر فظاعة، لأنها ليست نتيجة ارتباك ميداني، بل نتيجة عقلية تعتبر الدم اللبناني مادة مباحة لتحقيق الردع النفسي والسياسي.
وحين يعجز العدو عن تحقيق إنجازات حقيقية في الميدان، يتحول إلى الانتقام من المدنيين. هذه قاعدة ثابتة في تاريخ الصراع. كلما فشل في كسر إرادة المقاومة، لجأ إلى ضرب البيوت والقرى والأطفال، محاولاً تعويض عجزه العسكري عبر استباحة المجتمع المدني. لكنه في كل مرة يكتشف أن الدم المسفوك لا يولد الخضوع، بل يراكم الغضب والوعي والإصرار على المواجهة.
المفارقة الفاضحة أن العالم الذي يملأ الدنيا شعارات عن حقوق الإنسان والطفولة، يصمت حين يكون الضحية طفلاً من جنوب لبنان أو فلسطين. فجأة تصبح دماء الأطفال مجرد “تفاصيل جانبية” في نشرات الأخبار، وتتحول المجازر إلى أرقام باردة بلا وجوه ولا أسماء. هذا الصمت ليس حياداً، بل شراكة غير مباشرة في الجريمة، لأن التغطية السياسية والإعلامية هي ما يمنح الاحتلال شعور الإفلات الدائم من العقاب.
في النبطية الفوقا، لم تُقصف دراجة نارية فقط، بل استُهدفت صورة الأب الذي يحاول حماية ابنته، واستُهدفت براءة الطفولة نفسها. أراد الاحتلال أن يقول لأهل الجنوب إن لا مكان آمناً حتى للأطفال، وإن السماء نفسها تحولت إلى فخ مفتوح للموت. لكن تاريخ الجنوب يقول شيئاً آخر: إن المجازر لا تنهي الحكاية، بل تبدأ فصولاً جديدة من التمسك بالأرض والكرامة.
هذه الجريمة يجب ألا تمر كخبر عابر. يجب أن تُروى بوصفها شاهداً على حقيقة المشروع الصهيوني حين يسقط عنه قناع الحضارة الزائفة. فالدولة التي تطارد طفلة هاربة بالصواريخ ليست دولة “ديمقراطية”، بل كيان قائم على العنف المنهجي وإرهاب المدنيين. والجيش الذي يعجز عن مواجهة الإرادة الحرة إلا عبر قتل الأطفال، ليس جيش قوة، بل جيش أزمة أخلاقية وتاريخية عميقة.
سيبقى مشهد الطفلة المطاردة في أزقة الجنوب وصمة لا تمحى على جبين الاحتلال، ودليلاً جديداً على أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل على معنى الإنسانية نفسها. ففي مواجهة آلة القتل هذه، يصبح التمسك بالكرامة والحق والذاكرة شكلاً من أشكال المقاومة، وتصبح كل قطرة دم بريئة شاهداً يدين عالمًا اختار أن يرى الجريمة ثم يدير وجهه عنها.
د. نبيلة عفيف غصن