لم تعد المعركة على حدود جنوب لبنان مجرّد مواجهة تقليدية بين جيش يمتلك أحدث الدبابات والطائرات، وبين قوة مقاومة تعتمد على حرب العصابات. ما يجري اليوم هو تحوّل جذري في مفهوم الحرب نفسه؛ تحوّل تُعاد فيه كتابة قواعد الاشتباك بالنار والذكاء والمرونة. فالمسيّرات الانقضاضية الصغيرة، التي كانت تُعامل قبل سنوات كأدوات تكتيكية محدودة التأثير، باتت اليوم كابوساً استراتيجياً يطارد المؤسسة العسكرية في الكيان الصهيوني من السماء إلى الأرض.
الضربة الأخيرة التي استهدفت آلية إسرائيلية مدرعة في منطقة كوز عبر طائرة FPV انقضاضية ليست حادثة عابرة، وليست مجرد لقطة دعائية تُتداول على منصات الإعلام الحربي. إنها رسالة عسكرية وسياسية وعقائدية في آن واحد: السماء لم تعد حكراً على الطيران الإسرائيلي، والتفوق التكنولوجي لم يعد ضمانة للبقاء، والميدان بدأ يفرض معادلات جديدة لا تستطيع العقيدة القتالية القديمة استيعابها.
المسيّرة الصغيرة التي تهز عقيدة عسكرية كاملة
في العقود الماضية، بُنيت العقيدة العسكرية الإسرائيلية على فرضية أساسية: السيطرة الجوية المطلقة. هذه السيطرة كانت تعني أن العدو يُراقَب دائماً، ويُستهدف متى شاءت تل أبيب، بينما تبقى قواتها البرية محمية بمظلة من الاستخبارات والطائرات والقبة الحديدية والتفوق الإلكتروني.
لكن حرب المسيّرات قلبت المشهد رأساً على عقب.
فالمسيّرة الانقضاضية الصغيرة، زهيدة الثمن، القادرة على المناورة والتحليق المنخفض، نجحت في تحويل المدرعات الإسرائيلية إلى أهداف مكشوفة. والأخطر أن هذه المسيّرات لا تحتاج إلى بنية عسكرية ضخمة أو مطارات أو منظومات إطلاق معقدة؛ بل يكفي مشغل متمرّس، وإشارة اتصال، ورأس متفجر صغير، لتتحول دبابة أو ناقلة جند إلى فخ قاتل لطاقمها.
الضربة الأخيرة على فتحة الآلية المدرعة لم تكن عشوائية. إصابة “الهاتش” تعني أن المشغل لم يكن يطلق المسيّرة باتجاه كتلة معدنية ضخمة فحسب، بل كان يختار نقطة الضعف بعناية. هنا يتجلى التحول الأخطر: لم تعد المسيّرات مجرد أدوات إزعاج، بل أصبحت سلاحاً دقيقاً يُدار بعقلية قنّاص محترف.
صعود خبرة المقاومة… وتآكل الهيبة الإسرائيلية
المشهد يكشف بوضوح أن مقاومي حزب الله راكموا خبرة هائلة في إدارة حرب المسيّرات. فمنذ سنوات، كانت تل أبيب تسخر من الإمكانيات التقنية للمقاومة، وتتعامل مع الطائرات المسيّرة كتهديد محدود يمكن احتواؤه بسهولة. لكن التجربة الميدانية أثبتت العكس.
اليوم، نشهد انتقالاً من الاستخدام الرمزي للمسيّرات إلى الاستخدام المنهجي التكتيكي. هناك مراقبة دقيقة، اختيار أهداف، تحليل لنقاط الضعف، واستنزاف نفسي دائم للقوات الإسرائيلية المنتشرة على الحدود.
ولعل أخطر ما في هذه العمليات ليس حجم الدمار المباشر، بل أثرها النفسي والعقائدي. فالجندي الإسرائيلي الذي كان يشعر أنه يتحرك داخل “منطقة آمنة” خلف الدروع الثقيلة، بات يدرك أن الموت قد يأتيه من طائرة صغيرة بالكاد تُرى أو تُسمع. وهذا التحول النفسي يضرب أساس الثقة التي تحتاجها أي قوة عسكرية للاستمرار في القتال.
إن حرب الأعصاب هنا لا تقل أهمية عن حرب النار. فالمسيّرة لا تدمّر الآلية فقط؛ إنها تزرع الشك والخوف والتوتر الدائم داخل كل طاقم مدرعة وكل موقع عسكري وكل تجمع جنود.
فشل إسرائيلي في استيعاب شكل الحرب الجديدة
الأكثر إثارة للسخرية الاستراتيجية أن جيش الاحتلال، رغم كل خبرته التكنولوجية، لا يزال يتصرف بعقلية الحروب القديمة. فاستمرار حشد الآليات على خطوط التماس ضمن مدى المسيّرات الانقضاضية يكشف خللاً عميقاً في فهم طبيعة المعركة الحالية.
كيف يمكن لجيش يمتلك أقماراً صناعية ومنظومات دفاع بمليارات الدولارات أن يكرر الأخطاء نفسها مراراً؟ الجواب يكمن في أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تعاني من بطء عقائدي خطير. فهي قادرة على تطوير التكنولوجيا، لكنها أبطأ بكثير في تغيير فلسفة استخدامها.
في الحرب الحديثة، لم تعد الكثافة المدرعة ميزة مطلقة. بل قد تتحول إلى عبء إذا أصبحت الآليات أهدافاً سهلة لطائرات صغيرة ورخيصة. وما يحدث على حدود لبنان يشبه إلى حد بعيد ما جرى في أوكرانيا، حيث تحولت المسيّرات الانقضاضية إلى عنصر حاسم غيّر شكل الجبهات وأسقط أسطورة الحماية المدرعة التقليدية.
لكن المؤسسة الإسرائيلية تبدو كأنها تراهن على أن الحل سيكون تقنياً فقط: المزيد من أجهزة التشويش، المزيد من أنظمة الاعتراض، المزيد من الرادارات. غير أن المشكلة أعمق من ذلك. فالمقاومة لا تستخدم المسيّرات كأداة منفصلة، بل كجزء من منظومة قتالية مرنة وسريعة التكيّف.
ولهذا، فإن كل إجراء مضاد يولّد تكتيكاً جديداً لدى الطرف الآخر. إنها حرب تطور مستمر، ومن يتأخر في التكيّف يخسر تدريجياً.
من الجنوب إلى العالم: زمن الجيوش الثقيلة يترنح
ما يحدث في جنوب لبنان ليس معزولاً عن التحولات العالمية الكبرى في فن الحرب. فالجيوش التقليدية حول العالم بدأت تواجه أزمة حقيقية أمام صعود الأسلحة غير المتماثلة منخفضة الكلفة وعالية الفعالية.
المسيّرات الانقضاضية اليوم تفعل ما كانت تحتاجه سابقاً أسراب من الطائرات أو وحدات مدفعية كاملة. والأخطر أنها تمنح القوى غير التقليدية قدرة على فرض معادلات ردع واستنزاف لم تكن متاحة من قبل.
هنا تتراجع الفجوة بين “الجيش النظامي” و”قوة المقاومة”. فحين تستطيع مجموعة صغيرة تعطيل حركة جيش مدجج بأحدث التقنيات، فإن مفهوم القوة نفسه يصبح موضع إعادة تعريف.
لقد دخل العالم مرحلة تتآكل فيها الهيمنة العسكرية الكلاسيكية أمام حروب المرونة والذكاء والكلفة المنخفضة. وفي قلب هذا التحول، تقف جبهات جنوب لبنان كواحدة من أهم مختبرات الحرب الحديثة.
معركة الإرادة قبل السلاح
في جوهر الأمر، ليست القضية مجرد طائرات صغيرة تضرب آليات. القضية أعمق بكثير: إنها معركة بين عقلية جامدة تعتقد أن التفوق التكنولوجي وحده يصنع النصر، وبين عقلية مقاومة تتعلم وتتكيّف وتحوّل أبسط الأدوات إلى عناصر قلب استراتيجي.
التهديد القادم من السماء لم يعد حدثاً طارئاً بالنسبة للكيان الصهيوني؛ لقد أصبح واقعاً يومياً يضغط على أعصاب الجيش والمستوطنين معاً. وكل ضربة جديدة تؤكد أن معادلة الردع القديمة تتآكل، وأن الميدان يفرض حقائق جديدة لا تستطيع الدعاية السياسية إخفاءها.
إن أخطر ما يواجهه الاحتلال اليوم ليس فقط المسيّرات بحد ذاتها، بل الحقيقة التي تكشفها: أن عصر الحصانة انتهى، وأن القوة التي اعتادت القصف من دون خوف بدأت تتذوق معنى أن تكون هي نفسها تحت المراقبة والاستهداف الدائم.
وفي زمن تتغير فيه الحروب بسرعة مذهلة، يبدو أن من فهم المستقبل أولاً ليس الجيوش الثقيلة المليارية، بل أولئك الذين أدركوا أن الإرادة والمرونة والابتكار قد تهزم الحديد والنار.

د.نبيلة عفيف غصن