بينما يخرج المسؤولون الأمريكيون بتصريحات تتحدث عن “عملية محدودة” في مضيق هرمز، وعن أهداف “دفاعية” مرتبطة بحرية الملاحة، فإن الوقائع العسكرية المنتشرة فوق البحار تقول شيئاً مختلفاً تماماً. فالدول لا تحشد حاملات الطائرات ومجموعات الإنزال البرمائي والمدمرات الاستراتيجية من أجل عمليات رمزية أو رسائل دبلوماسية عابرة، بل من أجل الاستعداد لسيناريوهات التصعيد المفتوح، حتى وإن جرى تأجيل لحظة الانفجار.
ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة مرتبطة بإيران أو بالملاحة في الخليج، بل هو انعكاس لتحول أعمق في بنية النظام الدولي نفسه. فالعالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة تتراجع فيها قدرة المؤسسات الدولية على ضبط الصراعات، بينما تعود الجغرافيا العسكرية لتصبح اللغة الأساسية للعلاقات بين القوى الكبرى. ولهذا، فإن السؤال لم يعد: “هل هناك حرب؟”، بل: “أي نوع من الحروب يجري التحضير له؟”.
الحشد البحري الأمريكي: ما وراء الرواية الرسمية
تتحدث واشنطن عن حماية الملاحة الدولية، لكن حجم القوات المنتشرة في المنطقة يتجاوز بكثير متطلبات “الردع الدفاعي”. ففي بحر العرب وحده تتمركز مجموعتا حاملات طائرات أمريكيتان هما “جورج بوش” و”أبراهام لينكولن”، ترافقهما قطع بحرية هجومية ودفاعية متقدمة. وهذا الانتشار بحد ذاته يعكس مستوى استنفار نادر، لأن تشغيل مجموعتي حاملات في مسرح عمليات واحد يعني أن القيادة الأمريكية تريد امتلاك قدرة مستمرة على تنفيذ الضربات الجوية الواسعة دون انقطاع.
أما الانتشار الإضافي للمدمرات الأمريكية قرب دييغو غارسيا والخليج العربي، فهو يؤكد أن واشنطن تبني شبكة نارية متعددة الطبقات، قادرة على حماية الأساطيل، واعتراض الصواريخ، وتنفيذ ضربات بعيدة المدى في آن واحد. أي أننا أمام بنية قتالية متكاملة، لا أمام “عملية محدودة”.
كما أن هذا التموضع يهدف إلى تقليل هشاشة القوات الأمريكية أمام الصواريخ الإيرانية والطائرات المسيّرة، خصوصاً بعد التجارب التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، والتي أثبتت أن القواعد والسفن القريبة من الخليج باتت أكثر عرضة للخطر.
ومن هنا نفهم لماذا يجري تركيز القوات قرب دييغو غارسيا، ولماذا أصبحت بحرية الولايات المتحدة تعتمد على العمق العملياتي بدلاً من التمركز المباشر في النقاط الساخنة.
قد يبدو انسحاب حاملة الطائرات “جيرالد فورد” وثلاث مدمرات من المتوسط مؤشراً على التهدئة، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً. فالفراغ الأمريكي الجزئي في المتوسط جرى تعويضه بحضور فرنسي ـ أطلسي تقوده حاملة الطائرات “شارل ديغول”، التي انتقلت مع قطع من الناتو نحو البحر الأحمر.
هذا التوزيع يكشف وجود تنسيق غربي لإعادة توزيع الأدوار العسكرية، بحيث تتولى بعض القوى الأوروبية مهام الاحتواء والمراقبة في البحر الأحمر وشرق المتوسط، بينما تركز الولايات المتحدة قوتها الأساسية في بحر العرب والمحيط الهندي.
أي أن الغرب لا ينسحب من المنطقة، بل يعيد هندسة انتشاره وفق أولويات الحرب المقبلة.
وفي الوقت نفسه، لا تزال مدمرتان أمريكيتان في المتوسط، إضافة إلى تمركز مدمرات قرب جزيرة كريت، ما يعني أن واشنطن تريد الحفاظ على قدرة التدخل السريع بين المتوسط والخليج دون خسارة المرونة العملياتية.
الدبلوماسية تحت ظل حاملات الطائرات
يحاول دونالد ترامب الترويج لوجود “تقدم تفاوضي”، لكن التاريخ الأمريكي الحديث يكشف أن واشنطن غالباً ما تتفاوض من فوق فوهة المدفع. فالقوة العسكرية هنا ليست بديلاً عن الدبلوماسية، بل أداة ضغط عليها.
ولهذا فإن استمرار بقاء القاذفات الاستراتيجية في بريطانيا، وعدم تفكيك البنية الجوية الهجومية، يشير إلى أن الإدارة الأمريكية تريد إبقاء خيار الحرب جاهزاً بالكامل. فلو كانت واشنطن مقتنعة فعلاً بأن التسوية باتت قريبة، لبدأت بخفض الجاهزية تدريجياً. لكن ما يحدث هو العكس تماماً.
إن ما نشهده اليوم هو نموذج كلاسيكي لـ”الدبلوماسية المسلحة”، حيث تتحول المفاوضات إلى غطاء مؤقت لإدارة التوتر وليس لإنهائه.
إيران واستراتيجية الاستنزاف الطويل
في المقابل، تبدو طهران مدركة أن هدف الولايات المتحدة ليس فقط حماية الملاحة، بل إعادة فرض الهيمنة البحرية الكاملة على المنطقة بعد سنوات من التراجع النسبي.
لكن إيران لا تبحث بالضرورة عن مواجهة شاملة ومباشرة، بل عن استنزاف طويل يرفع كلفة الانتشار الأمريكي ويمنع واشنطن من تحقيق نصر حاسم وسريع. ولهذا تعتمد طهران على شبكة واسعة من الأدوات غير المتناظرة: الصواريخ، المسيّرات، الحلفاء الإقليميون، والقدرة على تهديد خطوط الطاقة العالمية.
وهنا تكمن خطورة المرحلة الحالية: فكل طرف يحاول تجنب الحرب الكبرى، لكنه يواصل بناء شروطها العسكرية في الوقت نفسه.
العالم يدخل زمن الحروب المفتوحة
الأزمة الحالية ليست معزولة عن المشهد الدولي الأوسع. فمن أوكرانيا إلى بحر الصين الجنوبي، ومن البحر الأحمر إلى مضيق هرمز، تتشكل تدريجياً خريطة عالم جديد يقوم على الصراع المفتوح بين الكتل الدولية.
لقد انتهى عملياً عصر “السلام الأمريكي” الذي أعقب الحرب الباردة، وبدأت مرحلة السيولة الاستراتيجية، حيث تتراجع الحدود بين الحرب والردع والدبلوماسية. فالقوات تتحرك باستمرار، والأساطيل تعاد صياغة انتشارها، والتحالفات العسكرية تتوسع، بينما الاقتصاد العالمي يصبح رهينة الممرات البحرية والطاقة وسلاسل الإمداد.
وفي قلب هذا المشهد، يتحول الشرق من جديد إلى مركز اشتباك عالمي، لا بسبب موارده فقط، بل لأنه عقدة الوصل بين البحار والطاقة والتجارة والجغرافيا السياسية.
خاتمة: العالم على حافة اشتعال طويل
لا توجد اليوم مؤشرات حقيقية على سلام مستقر. ما يوجد هو توازن هش بين قوى تستعد للحرب وتحاول تأجيلها في الوقت نفسه. فالحشود الأمريكية، والتموضع الأطلسي، واستنفار إيران، والتوتر البحري الممتد من المتوسط إلى المحيط الهندي، كلها تؤكد أن العالم دخل مرحلة “الاستعداد الدائم للاشتعال”.
ولهذا فإن أخطر ما في المرحلة الحالية ليس اندلاع حرب شاملة فجأة، بل تحول العالم إلى ساحة استنزاف مستمر، تُدار فيها الأزمات بالقوة العسكرية لا بالقانون الدولي، وتُفرض فيها التفاهمات عبر حاملات الطائرات لا عبر المؤسسات الدولية.
إنه زمن لم يعد فيه السلام قاعدة، بل هدنة مؤقتة بين جولتين من الصراع.
د.نبيلة عفيف غصن
