ليست المشكلة في جهلٍ عابر، بل في جريمةٍ مكتملة الأركان: جريمة اقتلاع الذاكرة من جذورها، ثم إعادة زرعها مشوّهة كما تريدها غرف العمليات الإعلامية. فجأةً، صار تاريخ الجنوب يبدأ في عام 1978، وكأن ما قبله كان فراغاً، وكأن القرى التي دُكّت، والناس الذين عانوا، والحدود التي انتُهكت منذ 1948، لم يكونوا سوى هامشٍ لا يستحق الذكر.
لكن الحقيقة أكثر قسوة… وأكثر إدانة.
في عام 1948، لم تكن الحدود هادئة كما يُراد لنا أن نصدق اليوم. تقدّمت قوات العدو داخل الأراضي اللبنانية، واحتُلّت قرى جنوبية، من حولا إلى ميس الجبل إلى غيرها من البلدات التي دفعت الثمن باكراً. لم يكن ذلك “حادثاً عابراً”، بل كان أول اختبار فعلي لهشاشة الكيان اللبناني أمام مشروع توسّعي لا يعترف بحدود ولا باتفاقات.
ثم جاء اتفاق الهدنة عام 1949، لا ليحمي لبنان كما يُروّج، بل ليقيّده. حُدّد عدد الجيش وتسليحه، فُرضت معادلات أمنية مشوّهة، وتحولت الحدود إلى مساحة رخوة، لا هي سيادة كاملة ولا هي حرب واضحة. هناك، في تلك المنطقة الرمادية، بدأت المعاناة الحقيقية: طرق مقطوعة، قرى محاصرة، مرضى ينتظرون الفجر ليعبروا، وأهالٍ يعيشون تحت عين الخطر الدائم.
هذه ليست تفاصيل… هذه هي البذرة.
البذرة التي سُقيت بالإهمال الرسمي، وبالقيود الدولية، وبعجز الدولة، حتى نمت لاحقاً على شكل احتلالٍ مباشر. وعندما جاء عام 1978، لم يكن “بداية القصة” كما يُقال، بل كان انفجارها. كان تتويجاً لمسار بدأ منذ 1948، مروراً بكل تلك السنوات التي يُراد دفنها في الصمت.
ثم جاء الاجتياح الأكبر عام 1982، وتكرّس ما عُرف بالشريط الحدودي، لا كحادث طارئ، بل كواقعٍ مفروض: احتلال، ميليشيات عميلة، معتقلات، وقهر يومي. هناك، لم يعد الحديث عن “حدود” بل عن جرح مفتوح، عن أرض تُدار من خلف الأسلاك، وعن شعب يُراد له أن يعتاد الذل.
ومع ذلك… لم يعتد.
لكن الأخطر من الاحتلال نفسه، كان دائماً ما يوازيه: إعادة كتابة الرواية.
كيف يُختصر التاريخ؟ كيف يُمحى 1948 من الوعي؟ كيف تُنسى سنوات القيود والإذلال والمعاناة اليومية؟ الجواب بسيط وخطير في آن: الإعلام حين يتحول إلى سلاح.
في زمن “ميديا الحرب الناعمة”، لم يعد المطلوب احتلال الأرض فقط، بل احتلال الوعي. تُصنع الرواية، تُضخ، تُكرّر، حتى تصبح “حقيقة” عند من لم يعش ولم يرَ. خلال دقائق، يمكن قلب الوقائع، اتهام الضحية، وتبرئة الجلاد. ليس لأن الحقيقة غائبة، بل لأن الصوت الأعلى ليس صوتها.
وهنا تكمن الكارثة: حين يصبح الرأي العام مثل قطيعٍ يُقاد بالضوء المصطنع، يُساق حيث يُراد له أن يسير، ويُقنع بأنه اختار الطريق بنفسه.
إن الجنوب لم يبدأ في 1978، ولم يُخلق فجأةً تحت جنازير الدبابات. الجنوب قصة صمود بدأت منذ أول اختراق، منذ أول بيت هُدِم، منذ أول أمّ انتظرت ابنها على طريقٍ مقطوع. هو تراكم الألم الذي تحوّل إلى وعي، وتراكم الوعي الذي تحوّل إلى مقاومة.
ولذلك، فإن المعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الذاكرة.
ليست فقط ضد الاحتلال، بل ضد تزييف التاريخ.
ليست فقط مواجهة عسكرية، بل مواجهة على معنى ما جرى… ولماذا جرى… ومن يجب أن يُحاسَب.
من يختصر الحكاية، يسرقها.
ومن يسرق الحكاية، يسرق الحق.
لهذا، لا يكفي أن نتذكر… بل يجب أن نعيد سرد القصة كما كانت: كاملة، قاسية، بلا تجميل ولا اجتزاء. لأن أمةً لا تعرف بدايات جرحها، لن تفهم أبداً كيف تحمي نفسها من تكراره.
التاريخ ليس ماضياً…
إنه سلاح.
د.نبيلة عفيف غصن
