من السويداء، من الأرض التي لم تعرف الانكسار، يرتفع السؤال اليوم كاتهام مدوٍّ لا كاستفهام عابر: ماذا يجري فعلاً في الجنوب السوري؟ هل نحن أمام حرب حقيقية على تهريب المخدرات، أم أمام مسرح عمليات تُستخدم فيه هذه الذريعة لتمرير رسائل أمنية وسياسية أعمق؟
ما يحدث ليس تفصيلاً، وليس حادثاً عابراً. نحن أمام مشهد يُعاد تشكيله بدقة، حيث تختلط الحدود بالنفوذ، والتهريب بالسياسة، والدم بالرسائل. وكل من يحاول تبسيط الصورة، إنما يهرب من حقيقتها القاسية.
أولاً: ملف المخدرات… الحقيقة التي تُستخدم كقناع
لنكن واضحين: نعم، هناك تهريب مخدرات، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها. لكن السؤال الأخطر: من يدير هذا الملف؟ ومن يسمح له بالاستمرار؟
هل يُعقل أن دولة مثل الأردن، بأجهزتها الأمنية المعروفة، لا تعرف شبكات التهريب، ولا خطوط الإمداد، ولا الرؤوس الكبيرة التي تدير هذه التجارة؟
إذا كانت تعرف – وهذا المرجح – فلماذا نرى ضربات داخل العمق السوري بدل تفكيك الشبكات عبر أدوات استخباراتية دقيقة؟
هنا يسقط القناع جزئياً. لأن ما يجري لا يبدو كعملية أمنية جراحية، بل كفعل عسكري يحمل في طياته رسالة:
نحن نضرب حيث نشاء، ونرسم قواعد الاشتباك وفق مصالحنا.
المخدرات هنا تتحول من جريمة إلى ذريعة، ومن ملف أمني إلى أداة ضغط.
ثانياً: التنسيق الغائب الحاضر… سلطة بلا قرار؟
الحديث عن تنسيق سوري–أردني يبدو للوهلة الأولى منطقياً، لكن عند التدقيق، تتكشف أزمة أعمق: هل تمتلك السلطة في دمشق أصلاً قرارها؟
حين تكون السلطة نفسها موضع جدل حول استقلاليتها، يصبح الحديث عن “تنسيق متكافئ” أقرب إلى الوهم.
نحن أمام سلطة، بحسب هذا الطرح، تتحرك ضمن هوامش مرسومة لها، لا ترسمها بنفسها. وبالتالي، فإن أي تنسيق – إن وجد – لا يعكس شراكة، بل يعكس توازن قوى مفروض.
لكن في الوقت ذاته، لا يمكن القول بعدم وجود أي تواصل. الواقع أكثر تعقيداً:
تنسيق أمني محدود حين تفرض الضرورة، وضربات منفردة حين تُراد الرسائل.
هنا، المنطقة الرمادية ليست تفصيلاً، بل هي جوهر اللعبة.
ثالثاً: السويداء… الهدف القادم أم العقدة الصعبة؟
السويداء ليست مجرد محافظة، بل رمز وكتلة توازن حساسة. ولذلك، فإن أي حديث عن “ما يُحضّر لها” لا يمكن تجاهله.
هل ما جرى في الساحل يُعاد إنتاجه جنوباً؟ هل هناك سيناريو يُطبخ على نار هادئة؟
الأخطر هو إدخال اسم الكيان الصهيوني في هذا السياق، تحت عنوان “حماية الدروز”.
لكن هذه الرواية، عند تفكيكها، تبدو كواحدة من أكثر السرديات تضليلاً. إسرائيل لا تحمي أحداً. إسرائيل تحمي مصالحها، حدودها، ومجالها الحيوي فقط.
وكل من يقرأ التاريخ يعرف أن “الحماية” في قاموسها تعني النفوذ، لا الأمان.
لذلك، فإن ربط السويداء بمشاريع خارجية ليس أمراً مستبعداً، لكنه يحتاج إلى قراءة دقيقة، لا إلى انجرار خلف الشعارات.
رابعاً: الجنوب… ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات
في الجنوب السوري، لا يوجد لاعب واحد، بل فسيفساء معقدة من القوى:
تيارات إخوانية، مجموعات سلفية، شبكات تهريب، فصائل محلية، وأجهزة إقليمية تتحرك في الظل.
هذا التعدد لا ينتج توازناً، بل فوضى.
وهذه الفوضى ليست بريئة دائماً، بل قد تكون – في نظر كثيرين – وسيلة لإبقاء الجنوب في حالة سيولة دائمة، تمنع قيام أي مشروع وطني أو مقاوم.
هنا، يصبح السؤال أكثر حدّة:
هل يُراد للجنوب أن يبقى منطقة رخوة تُدار ولا تُحكم؟
إذا كان الجواب نعم، فإن كل ما يجري يصبح مفهوماً، مهما بدا متناقضاً على السطح.
في الداخل، الأزمة أكثر عمقاً.
السلطة الحالية، وفق هذا الطرح، لم تقدم حتى الآن نموذجاً مقنعاً للحكم:
خدمات منهارة، اقتصاد متداعٍ، مؤسسات تُستنزف، وثقة شعبية تتآكل.
لكن الأخطر ليس الفشل الخدمي، بل غياب المشروع الوطني.
الدولة لا تُبنى بالقوة وحدها، ولا تُدار بمنطق الغلبة.
الدولة تُبنى حين يشعر كل مكوّن أنه شريك، لا هدف.
وحين تغيب هذه المعادلة، يصبح كل إنجاز أمني مؤقتاً، وكل استقرار هشاً.
سادساً: على حافة الانفجار… هل تُدفع البلاد نحو الاحتراب؟
التسريبات، الفيديوهات، الخطابات المتشنجة… ليست تفاصيل إعلامية، بل مؤشرات خطر.
حين ترتفع نبرة التخوين، ويُستدعى الخطاب الطائفي، وتغيب الضمانات السياسية، فإن البلاد تقترب من حافة خطيرة.
هل هناك من يدفع نحو صدام داخلي؟ أم أن الفوضى نفسها تقود إليه؟
في الحالتين، النتيجة واحدة:
انزلاق لا يمكن السيطرة عليه بسهولة.
 
سوريا اليوم أمام مفترق لا يحتمل التردد.
إما أن تبقى ساحة تُدار من الخارج وتُستهلك من الداخل،
وإما أن تستعيد قرارها الوطني عبر مشروع جامع يعيد تعريف الدولة لا كسلطة، بل كحاضنة لكل أبنائها.
الجنوب ليس تفصيلاً، بل هو إنذار مبكر.
والمخدرات ليست مجرد تجارة، بل عنوان لصراع أعمق على من يملك الأرض ومن يرسم حدود القوة.
أما السويداء، فهي ليست الحلقة الأضعف كما يُراد تصويرها، بل قد تكون العقدة التي تُفشل كل المخططات إن وعت ما يُراد لها.
في زمن تتكاثر فيه الأقنعة، تبقى الحقيقة واحدة:
الأوطان التي لا تمتلك مشروعها، تتحول إلى مشاريع للآخرين.

د.نبيلة عفيف غصن