لم يعد ما يجري في الخليج قابلاً للاختزال في خلافات سياسية عابرة أو تباينات تكتيكية بين عواصم متجاورة. نحن أمام لحظة مفصلية تتكشف فيها طبقات عميقة من الصراع، تتجاوز حدود السيادة التقليدية لتلامس ما يمكن تسميته بـ”الجيوسياسة الصادمة”، حيث تختلط المشاريع الإقليمية بالأجندات الدولية، وتتداخل الطموحات الشخصية مع خرائط النفوذ الكبرى.
في قلب هذا المشهد، تقف السعودية لا كطرف قوي مطمئن، بل كهدف مركزي في معادلة صراع تتقاطع فيها مصالح معقدة، على رأسها تقاطع مباشر بين المشروع الإسرائيلي وطموحات أبوظبي التوسعية. هنا، لا يعود السؤال: من يختلف مع من؟ بل: من يعمل على تحجيم من، ومن يسعى إلى إعادة تعريف مركز القوة في الخليج؟
فخ “الوكالة”: حين تتحول الإمارات إلى ذراع متقدمة
لم يعد ممكناً النظر إلى العلاقة الإماراتية الإسرائيلية بوصفها مجرد “تطبيع” سياسي أو اقتصادي. ما يتشكل، وفق هذه القراءة، هو نمط جديد من العلاقات يمكن وصفه بـ”النيابة الاستراتيجية”، حيث تقوم دولة إقليمية بأداء أدوار تتجاوز حجمها الجغرافي والديموغرافي، مستندة إلى دعم تكنولوجي وأمني خارجي.
الأخطر من ذلك هو توظيف البعد الرمزي والديني، عبر إعادة طرح جغرافيا مثل “جبل اللوز” وربطها بسرديات توراتية، في محاولة لفتح ثغرة في الوعي الجيوسياسي السعودي نفسه، وتحويل الجغرافيا من عنصر سيادة إلى ساحة تأويل.
الحرب من الداخل: الإعلام كسلاح تفكيك
إذا كانت الحروب التقليدية تُخاض بالجيوش، فإن الحروب الحديثة تُخاض بالعقول. في هذا السياق، يبرز ما يمكن تسميته بـ”سلاح المرتزقة الإعلاميين”، حيث يتم توظيف شخصيات من داخل النسيج الوطني نفسه لإعادة تشكيل الوعي العام.
ظهور أصوات سعودية من الخارج، تعمل ضمن منصات ممولة أو موجهة من أبوظبي أو مرتبطة بها، ليس حدثاً معزولاً، بل جزء من منظومة ضغط ناعمة تهدف إلى ضرب الثقة بين المجتمع والدولة. الخطاب هنا لا يهاجم فقط السياسات، بل يعيد صياغة صورة الدولة نفسها: من مركز قرار مستقل إلى تابع أو مرتبك.
الأكثر حساسية هو إدخال البعد الديني في هذه المعركة. فتاوى مشوهة، وخطابات تبريرية متطرفة، تُطرح بطريقة تخلق صداماً بين التدين الشعبي والسلطة السياسية، بما يفتح الباب أمام حالة من الانفصام الداخلي: إما طاعة بلا وعي، أو رفض بلا ضوابط. وفي الحالتين، يتم إضعاف التماسك الوطني.
أوبك+… الاقتصاد كساحة اشتباك
في العمق، لا يمكن فصل ما يجري في سوق النفط عن هذا الصراع. فمحاولات الخروج عن التفاهمات داخل “أوبك+”، أو التلويح بسياسات إنتاج منفلتة، ليست مجرد قرارات اقتصادية، بل أدوات ضغط جيوسياسي.
السيناريو الذي يُستحضر هنا هو ما حدث قبيل أزمة العراق في 1990، حين استُخدم النفط كسلاح لإضعاف طرف تمهيداً لمحاصرته. الإغراق المحتمل للأسواق، أو التلاعب بالحصص، يمكن أن يشكل ضربة مباشرة للاقتصاد السعودي، الذي لا يزال يعتمد بشكل كبير على العائدات النفطية رغم محاولات التنويع.
الرسالة الضمنية في هذا السلوك واضحة: إما الانخراط في رؤية تقودها أبوظبي، أو مواجهة كلفة اقتصادية باهظة. إنها معركة “ليّ الذراع”، لكن بأدوات مالية.
اليمن: الخاصرة التي لم تُحمَ كما يجب
الحرب في اليمن، التي خاضتها السعودية بهدف إبعاد النفوذ الإيراني عن حدودها الجنوبية، تحولت إلى ساحة نفوذ متعددة الاتجاهات. فبينما كانت الرياض تستنزف في المواجهة المباشرة، كانت قوى أخرى تعمل على بناء نفوذ موازٍ داخل الجنوب اليمني.
فكرة إنشاء كيان جنوبي منفصل، مرتبط بتحالفات خارجية ( إسرائيلية)، لم تكن مجرد احتمال نظري، بل مشروعاً تم العمل عليه في مراحل معينة. ولو تحقق، لكان قد شكل تهديداً استراتيجياً مباشراً للسعودية، عبر خلق حزام جغرافي ذو مطامع توسعية وسيطرة نفوذ على المضائق، على حدودها.
إجهاض هذا السيناريو – إن صح توصيفه – لم يُنهِ الخطر، بل كشف حجمه، وأعاد ترتيب أولويات الاستهداف، لتصبح السعودية في موقع متقدم ضمن قائمة الصراعات الإقليمية.
الصراع على الشرعية: “الإبراهيمي” في مواجهة “الحرمين”
ربما يكون أخطر أبعاد هذا الصراع هو البعد الرمزي الديني. فمحاولة تقديم نموذج “الدين الإبراهيمي” عبر مؤسسات مثل “البيت الإبراهيمي” لا يمكن قراءتها فقط كمبادرة للتسامح، بل أيضاً كمشروع لإعادة تعريف المرجعية الدينية في المنطقة.
السعودية، التي تستمد جزءاً كبيراً من ثقلها من احتضانها للحرمين الشريفين، تجد نفسها أمام منافسة غير مباشرة على هذا الدور. الهدف هنا ليس إلغاء مكانتها، بل تقليصها، وتحويلها من مركز روحي جامع إلى لاعب بين لاعبين.
هذا التحول، إن حدث، ستكون له تداعيات تتجاوز السياسة إلى إعادة تشكيل وعي المجتمعات الإسلامية نفسها.
الخلاصة: بين الردع والانكشاف
ما يتكشف اليوم هو انتقال الصراع من الظل إلى العلن، ومن الرسائل غير المباشرة إلى الضغوط الصريحة. الحديث عن اختراقات داخل مؤسسات حساسة، أو عن حملات منظمة للتأثير في القرار، يعكس مستوى متقدماً من الاشتباك.
لكن في المقابل، لا تبدو السعودية غافلة تماماً عن هذه التحديات. مواقفها في بعض الملفات، وحرصها على عدم الانجرار إلى مواجهات مفتوحة – كما في ملف إيران – تشير إلى محاولة لإعادة تموضع استراتيجي، يوازن بين الردع وتجنب الانفجار.
السؤال الحاسم لم يعد: هل هناك صراع؟ بل: إلى أي مدى يمكن احتواؤه قبل أن يتحول إلى مواجهة مفتوحة تعيد رسم خريطة الخليج بالكامل؟
في لحظات كهذه، لا تُقاس قوة الدول فقط بما تملكه من سلاح أو مال، بل بقدرتها على قراءة التحولات قبل أن تتحول إلى وقائع مفروضة. والخليج اليوم يقف على حافة مرحلة جديدة، قد لا تبقي من تحالفات الأمس إلا أسماءها، ولا من توازنات اليوم إلا ذكرياتها.

د.نبيلة عفيف غصن