في لحظة تاريخية تتشقق فيها بنية النظام العالمي، لم يعد السؤال: من يسيطر؟ بل: كيف تُدار السيطرة؟
هل عبر استقرار بطيء يراكم العفن تحت السطح حتى ينفجر، أم عبر صدمات عنيفة تُسقط القديم دون أن تضمن ولادة الجديد؟
ما يُطرح اليوم ليس مجرد تنافس دول، بل صراع بين نسختين من “حكم العالم”:
نسخة قديمة تتخفى وراء المؤسسات والتحالفات، ونسخة جديدة تندفع كإعصار يعيد تشكيل الخريطة بصفقات مباشرة وصدمات كبرى.
إنه صراع بين ما يسميه علماء السياسة: المأسسة التقليدية (Establishment Institutionalism) والشعبوية الصفقاتية (Transactional Populism)، لكنه في جوهره أعمق بكثير: صراع على “نظام التشغيل” الذي يدير الكوكب.
النسخة القديمة: استقرار بطيء… يحرسه الخوف من الانفجار
هذه “النسخة” ليست مجرد تحالفات، بل هي امتداد للنظام الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تُدار القوة عبر مؤسسات، استخبارات، وتحالفات متعددة الأطراف.
أبرز لاعبيها: MI6 البريطانية، وزارة الخارجية الأمريكية التقليدية، وامتدادات إقليمية كتركيا وقطر.
فلسفتها تقوم على فكرة تبدو عقلانية ظاهريًا:
لا تُسقط الأنظمة… بل أدرها.
لا تقضِ على الإسلام السياسي… بل احتوه.
ومن هنا نفهم العلاقة المعقدة مع الإخوان المسلمين عبر الوسيطين التركي والقطري: ليس حبًا، بل إدارةً للخطر بدل تفجيره.
أما أدواتها فهي ناعمة لكنها عميقة:
دبلوماسية بطيئة، قنوات استخبارات خلفية، تغييرات تدريجية محسوبة.
إنها تؤمن بـ”الشيطان الذي تعرفه” أكثر من الفوضى التي لا يمكن التنبؤ بها.
لكن خلف هذا “الاستقرار” يكمن الخطر الحقيقي:
إنه سمّ بطيء.
حين تتحول الأولوية إلى منع الانفجار بأي ثمن، يتم تجاهل الضغوط الحقيقية داخل المجتمعات: الفقر، التفاوت، الاحتقان الطائفي، والتحولات الرقمية.
تتراكم التناقضات… إلى أن يصبح الانفجار حتميًا، كما حدث قبيل 2011.
وهنا تكون الكلفة فادحة:
ليس فقط سقوط الأنظمة، بل انهيار المجتمعات نفسها.
هذه النسخة لا تحل الأزمات… بل تُدير البؤس.
النسخة الجديدة: صدمات سريعة… تفتح الطريق أو تحرقه
في الجهة المقابلة، تقف نسخة أخرى لا تؤمن بالتدرج أصلًا.
ترى أن النظام القديم فاسد، بطيء، وعاجز، وأن الحل هو: كسره بالكامل.
رموزها واضحة:
إدارة ترامب، نتنياهو، ومحمد بن زايد.
فلسفتها تقوم على ثلاث ركائز:
رفض الإسلام السياسي كليًا واعتباره بوابة للفوضى،
بناء محور قوة صلب في مواجهة إيران،
وتقديم القوة الاقتصادية والعسكرية على أي خطاب حقوقي أو ديمقراطي.
أدواتها ليست ناعمة… بل صادمة:
نقل السفارة إلى القدس،
الانسحاب المفاجئ من الاتفاق النووي،
تطبيع العلاقات دون حل القضية الفلسطينية.
إنها سياسة “النتائج الآن”… مهما كانت الكلفة.
لكن هذا النهج يحمل خطرًا مختلفًا:
ليس الركود… بل الانفجار المتسلسل.
في عالم مترابط، أي صدمة لا تبقى محصورة.
قرار واحد قد يولد خمس أزمات غير متوقعة.
قد تحقق اختراقًا سياسيًا، لكنك تدمر الثقة والبنية الدبلوماسية التي تضمن استمراره.
والنتيجة؟
سلام هش… مؤقت… قائم على صفقة، لا على استقرار عميق.
ساحات الصراع: حيث تتقاطع الرؤيتان
الصدام بين النسختين يظهر بوضوح في ثلاث جبهات رئيسية:
في الشرق الأوسط، تدير النسخة القديمة الإسلام السياسي لاحتواء التطرف ثم توظيفه في مشاريعها، بينما تسعى الجديدة إلى اقتلاعه بالكامل.
في الملف الإيراني، تفضل الأولى الاحتواء عبر الاتفاقات، فيما تعتمد الثانية سياسة الضغط الأقصى.
أما عالميًا، فالأولى تعمل ضمن المؤسسات الدولية، بينما تفرض الثانية منطق “أمريكا أولًا” والصفقات الثنائية.
لكن الحقيقة الأعمق أن هذا الصراع لا يدور فوق الأرض فقط… بل داخلها، في بنية الدول نفسها.
الخطر المزدوج: قدر الضغط أو الفراغ القاتل
إذا أردنا تبسيط المخاطر، فنحن أمام خيارين كلاهما مرّ:
النسخة القديمة تخلق قدر ضغط:
تُكبت الأزمات حتى تنفجر بشكل كارثي.
النسخة الجديدة تخلق فراغ قوة:
تُحطم القديم قبل أن تبني البديل.
في الأولى: قمع طويل يُسمى استقرارًا.
في الثانية: فوضى سريعة تُسمى تغييرًا.
وبين الاثنين… تضيع الشعوب.
الخطر الثالث: حين تتحول الأوطان إلى ساحات تجارب
الأخطر من النسختين هو مرحلة الانتقال بينهما.
حين يتصارع المشروعان، تتحول الدول—وخاصة في سورية الطبيعية—إلى ملاعب جيوسياسية.
طرف يدعم تيارًا أيديولوجيًا، وآخر يسعى لتجريمه.
والنتيجة:
مجتمعات ممزقة، سيادة منهارة، ودولة تُسحب منها قدرتها على القرار.
كيف تُواجه هذه المشاريع؟ من رد الفعل إلى السيادة الشاملة
إن مواجهة هذا الواقع لا تكون بالانحياز لأحد المعسكرين، بل ببناء مشروع سيادي كامل.
أولًا، كسر محرك الطائفية.
كلا المشروعين يتغذى على الانقسام الداخلي.
حين تتوحد الهوية الاجتماعية، تُسحب أهم أدوات التحكم الخارجي.
ثانيًا، السيادة الرقمية.
لم تعد السيطرة عسكرية فقط، بل تمر عبر البيانات والخوارزميات.
شركات مثل Palantir وOracle ليست أدوات تقنية فحسب، بل أذرع نفوذ.
ومن لا يملك حدوده الرقمية… لا يملك قراره.
ثالثًا، الاستقلال الاقتصادي.
بين ديون “النسخة القديمة” وصفقات “النسخة الجديدة”، يبقى الحل في اقتصاد إنتاجي داخلي، يستثمر الموارد الزراعية والطاقة لبناء دورة مكتفية ذاتيًا.
رابعًا، الحياد المسلح فكريًا.
رفض الثنائية القاتلة:
استقرار يشبه السجن، أو تغيير يشبه الانفجار.
والتوجه نحو قطب ثالث مستقل يتعامل مع الجميع… دون أن يخضع لأحد.
إلى أين يتجه العالم؟ تفكك كبير… وفرصة نادرة
نحن أمام مرحلة يمكن تسميتها بـ”التفكك العظيم”.
النسخة القديمة تفقد قدرتها على فرض النظام.
والنسخة الجديدة تثبت أنها تجيد الهدم… لكنها تعجز عن البناء.
النتيجة:
عالم أكثر فوضوية… لكنه أقل سيطرة.
في هذا الفراغ، تظهر نافذة تاريخية:
لأول مرة منذ قرن، تنشغل “الدولة العميقة” العالمية بصراعها الداخلي، فتضعف قبضتها على منطقتنا.
الخاتمة: لحظة الحسم… إما أن نمتلك النظام أو نُدار به
السؤال لم يعد: أي النسختين أخطر؟
بل: هل سنبقى موضوعًا في معادلاتهم، أم نصبح نحن من يكتب المعادلة؟
بين سمّ الاستقرار ونار الفوضى، هناك طريق ثالث لا يُمنح… بل يُنتزع.
طريق يتطلب وعيًا يتجاوز الطوائف، واقتصادًا يتحرر من التبعية، وسيادة تمتد من الأرض إلى الفضاء الرقمي.
التاريخ لا يرحم المترددين.
ومن لا يبني “نظامه الخاص” في لحظة الانهيار… سيُجبر على العيش داخل أنظمة الآخرين.
فإما أن نكون أصحاب القرار… أو نبقى وقودًا في صراعاتهم.
د.نبيلة عفيف غصن
