لم تكن الحكاية مفاجئة لمن قرأ المسار منذ بداياته. كل مشروع يقوم على الإقصاء المطلق، وعلى فكرة “الطاعة أو الإلغاء”، يحمل في داخله بذور افتراس ذاته. اليوم، تتكشف الصورة ببرود: أسماء كانت في الصفوف الأولى، تُزاح من المشهد بصمت، وتُطوى صفحاتها بلا ضجيج. لا لأن الزمن تغيّر فقط، بل لأن المشروع نفسه قرر أن يبدّل جلده، وأن يتخلص من ماضيه حين صار عبئاً.
هنا، لا تنفع المراثي ولا صرخات الدهشة. من سار في طريق التكفير، واعتقد أن التحالف مع سلطة متحوّلة يمكن أن يضمن له موقعاً دائماً، كان يراهن على سراب. فهذه المشاريع لا تعرف “الشراكة” بقدر ما تعرف “الاستخدام”، ولا تعترف بالولاء إلا ما دام نافعاً. وحين تنتهي الحاجة، يبدأ الإقصاء—بأشكال مختلفة، أهدأ في ظاهرها، أشدّ قسوة في معناها.
المسألة ليست أفراداً يُستبدلون بآخرين، بل منطق كامل يُعاد ترتيبه. منطق يعتبر أن الماضي يمكن محوه بقرار، وأن من صنعوا مرحلة يمكن شطبهم حين تبدأ مرحلة جديدة. لكن التجارب تقول إن الذاكرة لا تُمحى بهذه السهولة، وأن من بُني على الاستبعاد، سيظل يعيد إنتاجه ولو بوجوه جديدة.
القسوة الحقيقية هنا ليست في سقوط أسماء، بل في سقوط الوهم. وهم أن التطرف يمكن أن يتحول إلى “دولة” مستقرة من دون أن يبتلع أدواته أولاً. ووهم أن من يفتح باب الإلغاء على مصراعيه، سيبقى بمنأى عنه حين يدور الدولاب.
هذه لحظة مراجعة قبل أن تكون لحظة انفعال. مراجعة لفكرة أن الطريق الذي يبدأ بإقصاء الآخرين، ينتهي—غالباً—بإقصاء من سلكوه. وأن أي مشروع لا يقوم على قواعد واضحة للمساءلة والحقوق، سيبحث دائماً عن “كبش فداء” كلما احتاج إلى إعادة ترتيب نفسه.
في الخلاصة، ما يجري ليس مفاجأة، بل نتيجة. نتيجة مسار بُني على منطق القوة الصرفة، وعلى وهم القدرة على ضبط العنف إلى الأبد. والتاريخ، في مثل هذه الحالات، لا يقدّم تعازي… بل يقدّم دروساً قاسية لمن يريد أن يفهم.

