خمسة و ثلاثون عاماً على أوسلو: تشريح جثة سلام لم يُولد… من مدريد 1991 إلى ضم الجولان
بقلم: شاهد على انهيار الشرق الأوسط
لكي نفهم لماذا أصبح السلام مع إسرائيل مستحيلاً اليوم، علينا أن نخلع نظارات الأمل الزائفة ونقرأ السجل التاريخي كما هو، لا كما نتمناه. أنا أتابع هذا الملف منذ اللحظة التي أُطفئت فيها الأنوار في مؤتمر مدريد عام 1991. ما سأرويه ليس رأياً سياسياً، بل تسلسلاً زمنياً للوقائع، حدثاً يركض خلف حدث، وكلها تثبت أن المشروع الإسرائيلي لم يكن يوماً عن السلام، بل كان عن الأرض دون البشر.
1991: حين ظننا أن أميركا تستطيع
ها هي الحقيقة التي ينساها كثيرون: السلام لم يولد في أوسلو، بل وُلد قسراً في مدريد. في ذلك العام، فعل الرئيس الأميركي جورج بوش الأب ما لم يفعله أحد بعده. أوقف ضمانات القروض عن حكومة إسحق شامير، ومنع تمويل بناء المستوطنات، وأجبر إسرائيل بقوة المال والضغط على الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع العرب والفلسطينيين. أثبت بوش الأب أن الولايات المتحدة حين تريد، تستطيع أن تكسر عنق التطرف الإسرائيلي. لكن الدرس الذي تعلمته إسرائيل من تلك اللحظة لم يكن درساً في السلام، بل درساً في الصبر التكتيكي: انتظر حتى يرحل الرئيس الأميركي القوي، ثم افعل ما تشاء.
1993: أوسلو… جائزة السلام التي تحولت إلى تابوت
جاء بيل كلينتون، وجاء معه حلم أوسلو. في الثالث عشر من سبتمبر 1993، وقف إسحق رابين وياسر عرفات وشمعون بيريز على عشب البيت الأبيض، وتصافحوا، ثم ذهبوا ليحصدوا جائزة نوبل. كان المشهد سريالياً خادعاً. الوثائق التي وُقعت كانت تقوم على معادلة واضحة، على الأقل في وعي العرب: تنسحب إسرائيل، تحصل سوريا على كامل هضبة الجولان، ويحصل الفلسطينيون على حكم ذاتي يمهد لدولة على حوالي 30% من أرض فلسطين التاريخية، ما يعادل ثلثي الضفة الغربية وقطاع غزة. كان الوهم أن “السلام الاقتصادي” سيجعل الاحتلال يذوب كقطعة ثلج.
لكن العقد كان مسموم البنود. سرعان ما اكتشفنا أن إسرائيل تفاوض لتكسب الوقت، لا لتنسحب.
1995: اغتيال صانع السلام من الداخل
بعدها بعامين، وفي رابع نوفمبر 1995، أطلق متطرف يهودي الرصاص على ظهر رابين في تل أبيب وقتله. الرجل الذي وقف مع عرفات في البيت الأبيض قتله أحد أبناء شعبه لأنه تجرأ وأعطى الفلسطينيين “سلاحاً” واعترافاً. كانت تلك هي اللحظة الفارقة التي انكشف فيها وجه إسرائيل الحقيقي: أي شخص يقدم على سلام حقيقي، حتى لو كان رئيس وزرائهم وأشهر جنرالاتهم، مصيره الاغتيال على يد اليمين الديني المتطرف. برصاصة واحدة، دُفن حلم اليسار الإسرائيلي إلى الأبد.
1996-1999: صعود نتنياهو… دفن أوسلو
بعد رابين، صعد بنيامين نتنياهو لأول مرة. الرجل الذي لم يخفِ عقيدته أبداً، صاحب كتاب “مكان بين الأمم”، الذي شرح فيه بالتفصيل أن المهمة التاريخية هي أخذ أكبر قدر ممكن من الأرض وعدم إعادة شبر واحد. لقد حول أوسلو إلى مسرحية من مسرحيات تأجيل القيامة. لم يطبق شيئاً مما اتُفق عليه، وبدأ عصر الالتفاف على الاستحقاقات.
2000-2002: المبادرة العربية… وجنين هو الجواب
في عام 2000 انهارت مفاوضات كامب ديفيد، وانفجرت انتفاضة الأقصى. وبعدها بعامين، في قمة بيروت التاريخية عام 2002، اجتمع القادة العرب بقيادة المملكة العربية السعودية وقدموا أغلى ما يمكن أن تقدمه أمة مهزومة نفسياً: المبادرة العربية للسلام. قلناها بوضوح: انسحاب كامل من الأراضي المحتلة مقابل تطبيع كامل. الأرض مقابل السلام.
كيف كان رد الحكومة الإسرائيلية بقيادة أرييل شارون على هذه القمة التاريخية؟
لم تمر أيام على إعلان بيروت حتى دكت الدبابات الإسرائيلية مخيم جنين. كان الرد على السلام هو ما سُمي “مجزرة جنين” تحت أنظار العالم. لقد أرادوا أن يقولوا لنا: هذا هو ثمن مبادرة السلام، دم ودمار. وفي رام الله، حوصر عرفات في مقره، وقُصفت جدرانه، وبدأ العد التنازلي لاغتياله بطريقة أخرى.
2004: السم في رام الله
في نوفمبر 2004، مات ياسر عرفات. مات مسموماً، محاصراً، بعد أن رفض أن يبيع القضية. مات وفي جسده مادة البولونيوم المشعة، بعد أن سحقوا مقره، وأذلوه. وهكذا، قُتل صانعا السلام: رابين برصاصة في الظهر، وعرفات بالسم في الحصار. هكذا انتهت “نوبل” 1993 إلى جثتين، وذهبت أحلام الدولة معهما.
2005-2014: انقراض السلام داخل الكيان
بعد رابين، اختفى “اليسار” الإسرائيلي من الوجود. حركة “السلام الآن” التي كانت تمثل ضميراً ولو مزيفاً، انكمشت وتحولت إلى أثر بعد عين. في العقود الثلاثة الأخيرة تحت حكم نتنياهو وتحالفاته، لم يعد في الكنيست الإسرائيلي أي حزب يمثل السلام. أي شخص ينادي بإعطاء العرب حقوقهم يُقمع سياسياً. المشهد اليوم أسير بيد الصهاينة المتدينين والمستوطنين، وكلما ازدادوا تطرفاً ازدادوا قوة. السلام لم يعد غائباً فقط، بل أصبح فكرة يُعاقب عليها القانون.
تحذير ميشال شيحا( كي لا استشهد بانطون سعادة او بمفكرين يساريين او عروبيين) : الخطر الوجودي على لبنان
وهنا يجب أن نستحضر صوتاً لبنانياً تأسيسياً طالما دُفن في زحمة السياسة اليومية. المفكر اللبناني الكبير ميشال شيحا، الأب الروحي لفكرة لبنان، حذّر منذ منتصف القرن العشرين تحذيراً نبوياً مما تريده إسرائيل للبنان. قالها بوضوح: إسرائيل ليست مجرد جار معتدٍ، بل هي دولة توسعية لا تكتفي بالأرض. هي تريد أن تدمر لبنان في أدواره كلها. تريد مياهه، تريد ثرواته الطبيعية، تريد نفطه وغاز حدوده، وتريد قبل كل شيء أن تنتزع من لبنان دوره المركزي في الشرق الأوسط. لبنان هو الميناء، هو المركز المصرفي، هو منصة الخدمات، هو المستشفى المتطور، هو الحاضنة الأكاديمية والعلمية. إسرائيل لا تريد شريكاً، بل تريد أن تكون هي “لبنان الشرق الأوسط” بديلاً عنه. لذلك كل حديث عن سلام مع لبنان من دون إدراك هذا العمق التوسعي هو جهل بمنطق الدولة التي لم تتوقف يوماً عن التمدد.
2019 – اليوم: ضم الجولان ورسالة لبنان وسوريا
بينما كنا نتحدث، ضُم الجولان. أعلنت إسرائيل ضمها النهائي، معترفاً به من أميركا، ذاهباً إلى الأبد. وعندما جاء النظام السوري الجديد بعد سقوط الأسد ليمد يده باحثاً عن سلام يحفظ ماء الوجه، كان الرد الإسرائيلي: الجولان لنا، لا عودة. لم يكتفوا بذلك، بل بدأ الحديث العلني عن السويداء كهدف توسعي قادم إذا سنحت الظروف.
وكذلك الحال في لبنان. لبنان اليوم يبحث عن تهدئة ويريد السلام، فيقابله الإسرائيلي بصمت مطبق وشروط تعجيزية. إنهم لا يريدون سلاماً مع لبنان، بل يريدون مياهه ونفطه وغاز حدوده، تماماً كما أخذوا الجولان، تماماً كما أرادوا أن يحلوا محل بيروت في كل أدوارها كما تنبأ شيحا. السلام بالنسبة لهم ليس نهاية للصراع، بل بند تكتيكي في كتاب “مكان بين االأمم لكاتبه نتنياهو.
الخلاصة: بين هشام منصور وهشام أبو ناصيف… اختر هشامك
والآن وقد عرضنا ثلاثين عاماً من السجل التاريخي، من مدريد 1991 حيث أُجبروا على السلام فصبروا، إلى 1993 حيث أعطوا أملاً زائفاً، إلى 1995 حيث اغتالوا رابين، إلى 2002 حيث أحرقوا مبادرة السلام العربية بدماء جنين، إلى 2004 حيث سمّوا عرفات، إلى مشهد انقراض السلام في الكنيست، إلى تحذيرات شيحا، إلى ضم الجولان وابتلاع الضفة جداراً واستيطاناً، نقف اليوم أمام عقلين لا يلتقيان.
أمامكم ذاكرة هشام منصور صاحب هذه السطور، الذي يرى أن التاريخ شاهدٌ على أن إسرائيل دولة توسعٍ لا سلام، وأمامكم اخبار الدكتور هشام أبو ناصف، الباحث الاكاديمي المتخصص العلامة و، الذي ينكر كل ما كُتب هنا، ويقول لكم إن إسرائيل دولة مسالمة، لم تحمل يوماً أطماع “إسرائيل الكبرى”، وإننا لو مددنا أيدينا منذ زمن بعيد لكنا في سلام دائم، ولا خطر علينا لا في أرض ولا مياه ولا سيادة.
أنتم الآن بين هشامين: أحدهما يقرأ التاريخ بالدم والوقائع، والآخر يقرؤه بالأمنيات والنوايا و بلقب الدكتور المحاضر فاختاروا لمرة بعقلكم و ليس. بمزاجكم الطائفي
هشام منصور
