عندما تُزرع الفتنة في الوعي: من يُشعل الشرارة ومن يدفع الثمن؟
فاتنة علي،لبنان/سوريا الطبيعية
في زمنٍ لم تعد فيه المعارك تُخاض فقط على الأرض، بل في العقول والفضاء الرقمي، يظهر مشهدٌ مقلق: فيديو يُبث عبر قناة لبنانية، فتتوالى ردود الفعل، وتتدحرج كرة الإساءة لتطال مقام البطريركية المارونية، قبل أن يتحول النقاش إلى صراع مفتوح عبر الشاشات والمنصات. قد لا ينجح هذا الصراع فورًا في الانفجار داخل الواقع، لكنه ينجح في زرع شيء أخطر: بذور الفتنة في اللاوعي الجمعي.
الأكثر إثارة للاستغراب ليس الحدث بحد ذاته، بل ازدواجية المعايير في التعاطي معه. لماذا تثور ردود الفعل عند إساءة معينة، بينما تمرّ إساءات أخرى بصمتٍ مريب؟ أين كانت أصوات “السيادة” و”الكرامة” عندما صدرت إساءات من دونالد ترامب طالت السيد المسيح عليه السلام، أو حتى عندما مست رمزية رأس الكنيسة التي تمثل ملايين المؤمنين في الفاتيكان؟ لماذا تُبنى الجدران بين أبناء الوطن الواحد على بعض الردود، بينما تُهمل ردود أخرى وكأنها لا تستحق الالتفات؟
للإجابة، لا بد من طرح أسئلة أعمق: من يمول هذه القنوات؟ ما خلفياته؟ ومع أي مشاريع يتماهى؟ بعيدًا عن الطائفية والانحياز، ومن منطلق إنساني بحت—كن إنسانًا أولًا ثم اعتنق ما شئت—يصبح من المشروع التساؤل: لماذا تُنفق ملايين الدولارات على مراكز أبحاث ودراسات مرتبطة بالأمن القومي؟ ولماذا يتم التركيز على الصراعات الدينية والمذهبية بوصفها مدخلًا استراتيجيًا؟
عندما نتأمل سلوك (إسرائيل)، نجد أنها لا تنظر إلى هذه الانقسامات بوصفها خلافات عابرة، بل كعناصر مؤثرة في أمنها القومي. مراكز الأبحاث، كمعهد دراسات الأمن القومي وغيره، لا تعمل عبثًا، بل تدرس هذه التوترات وتراقبها وتستثمر فيها. هنا، لا يعود السؤال: لماذا يحدث الخلاف؟ بل: من يستفيد من تضخيمه وتحويله إلى صراع؟
التاريخ يقدّم إجابة واضحة: لم تكن الاختلافات الدينية يومًا سببًا حتميًا للانقسام، بل تم تطويرها سياسيًا لتصبح أدوات تفتيت. من اتفاقية سايكس–بيكو إلى ما يُعرف بخطة “ينون”، تتكرر الفكرة ذاتها: تقسيم المقسم، وتجزئة المجزأ، حتى يصبح كل مكون معزولًا عن الآخر، ضعيفًا في مواجهة أي مشروع خارجي.
والمفارقة الكبرى أن من يسعى لتوحيد اليهود القادمين من الشتات، يعمل في الوقت ذاته على تفكيك شعوب كانت متجذرة في أرضها وتاريخها. فهل سأل المسلمون والمسيحيون أنفسهم يومًا: لماذا يُدفع باتجاه وحدة مصطنعة هناك، مقابل تفريق ممنهج هنا؟
في الفضاء الرقمي، تتجلى هذه الاستراتيجية بوضوح. تنتشر فيديوهات ورسومات مسيئة، تُضخّم الخلافات، وتُعاد صياغتها لتخاطب جمهورًا أوسع. وحدات إلكترونية متخصصة، مثل الوحدة 8200، وأدوات مثل الذباب الإلكتروني، تلعب دورًا في تضخيم هذه المحتويات وتوجيهها. أما مراكز مثل “ميمري”، التي أسسها الضابط الإسرائيلي السابق إيغال كارمون، فتتولى ترجمة هذه المواد ونقلها إلى العالم، لتقديم صورة مشوهة عن العرب والمسلمين، وكأنهم غارقون في صراعاتهم، عاجزون عن التعايش، بينما تُقدَّم (إسرائيل) كواحة استقرار وسلام.
لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون: الإساءات لم تغيّر يومًا من جوهر الرسالات ولا من قيمة الرموز. هل أثّرت الافتراءات على السيدة مريم عليها السلام في طهرها؟ هل غيّرت الإساءة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم من نقاء رسالته؟ هل أنقصت الشتائم من مقام الإمام علي عليه السلام؟ التاريخ يجيب بالنفي القاطع.
ما يتغير حقًا هو وعي الناس—أو بالأحرى، ما يُزرع فيه. عندما تتكرر الخطابات التحريضية، ويُعاد إنتاجها يوميًا، تصبح مألوفة، ثم مقبولة، ثم قابلة للتحول إلى فعل على أرض الواقع. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: ليس في الخلاف، بل في تحويله إلى صراع.
نحن مختلفون، نعم. لكننا لسنا أعداء. من حوّل الاختلاف إلى خلاف، ومن يغذيه اليوم، يدرك تمامًا أنه يضرب أول خطوط الدفاع: وحدة المجتمع.
“أخطر الحروب ليست تلك التي تُخاض بالسلاح، بل تلك التي تُزرع في العقول حتى يقتنع الضحية بأنه عدو نفسه.”
ما يحدث ليس عفويًا، بل إدارة صراع طويلة الأمد، تستهدف الوعي قبل الأرض. وبين إساءة تُضخَّم وأخرى تُطمس، وبين صمتٍ وانتقائية، يُعاد تشكيل إدراك الشعوب ببطء. والسؤال الذي يبقى معلقًا: متى ندرك أن المعركة الحقيقية ليست بيننا، بل على وعينا؟ ومتى تعلو الأصوات—مآذن وكنائس—لا للتحريض، بل لاستعادة إنسانيتنا المسروقة؟
