من ساحة حرب إلى مختبر إذلال: حين يُستباح الإنسان وتُعرّى المنظومة

د.نبيلة عفيف غصن

ليست القضية هنا حادثة، ولا رواية فردية تُروى ثم تُطوى. نحن أمام مرآة دامغة تعكس طبيعة حرب لم تعد تُخاض فقط بالمدافع، بل بالأجساد، بالأعصاب، بالكرامة الإنسانية نفسها.
في غزة، لم تعد الجغرافيا وحدها هدفًا لإعادة التشكيل، بل الإنسان ذاته.
يُعاد تعريفه، تفكيكه، وإخضاعه ضمن منطق قاسٍ: إمّا أن تنكسر، أو تُعاد صياغتك تحت وطأة الألم.
في قلب هذا المشهد، تقف شهادة فادي بكر—لا كقصة، بل كـوثيقة اتهام تاريخية.

الشهادة التي تفضح البنية: من إنسان إلى “ملف أمني”
فادي، المحامي الشاب، لم يدخل الحرب كمقاتل، بل كإنسان يحاول النجاة، ينتظر طفلته الأولى، ويحمل ما تبقى من حياة عادية.
لكن في لحظة، يتحول إلى هدف، ثم إلى مصاب يُترك ينزف، ثم إلى معتقل يُعاد تعريفه بالكامل:
ليس كإنسان، بل كـاحتمال خطر يجب سحقه.
منذ لحظة الاعتقال، تبدأ عملية منظمة:
تجريد، تقييد، نقل، ثم إدخال إلى فضاء مغلق لا تحكمه قواعد الحرب، بل منطق السيطرة المطلقة.

هندسة الألم: التعذيب كمنظومة لا كفعل
ما تكشفه الشهادة ليس قسوة عشوائية، بل هندسة متكاملة للألم.
تكرار الضرب، الحرمان من النوم، فرض أوضاع جسدية مرهقة، التعريض لبيئات قاسية، النقص المتعمد في الغذاء والماء—كلها ليست أدوات ضغط فقط، بل عناصر في نظام يهدف إلى تفكيك الإرادة.
خلال الاستجواب، لا يُبحث عن الحقيقة، بل عن الانصياع.
تُستخدم وسائل قسرية مؤلمة، تترافق مع انتهاكات مهينة تمسّ الجسد في أكثر نقاطه هشاشة، في محاولة لكسر ما هو أعمق من الجسد: الكرامة.
حتى الطب—الذي يُفترض أن يكون ملاذًا—يُجرّد من أخلاقيته، حين تُجرى إجراءات علاجية قاسية دون مراعاة إنسانية كافية، فيتحول من فعل شفاء إلى امتداد للألم.

حين يسقط القناع: الأمن كذريعة، والإذلال كغاية
في هذه اللحظة، يسقط الادعاء بأن ما يجري هو ضرورة أمنية.
لأن الأمن يبحث عن معلومات، أما ما نراه هنا فيبحث عن إخضاع شامل.
حين يُسأل إنسان عن أمور لا يعرفها، ويُعاقب على جهله، فنحن أمام منطق لا يعترف بالحقيقة أصلًا.
إنه منطق يريد إنتاج اعتراف، أيّ اعتراف، فقط ليؤكد سرديته.
هنا يتحول التعذيب إلى لغة سياسية:
لغة تقول إن السيطرة لا تكتمل إلا حين يُكسر الإنسان من الداخل.

ما بعد الجسد: الحرب على المعنى
لكن الأخطر من الألم الجسدي هو ما يليه.
فادي يخرج من الاعتقال، لكن الاعتقال لا يخرج منه.
يعود إلى عالم مدمّر:
طفلة وُلدت في الجوع، زوجة تحت القصف، عائلة مشرّدة، وذاكرة مثقلة بما لا يُمحى.
وهنا تتجلى الحقيقة الكبرى:
هذه ليست حربًا على أشخاص، بل حرب على المعنى نفسه—على فكرة أن يكون الإنسان إنسانًا.

القانون الدولي: اختبار السقوط أو الاستيقاظ
كل ما ورد في هذه الشهادة، إذا ما أُخضع للتحقيق المستقل، يندرج ضمن أخطر الجرائم المحظورة دوليًا.
لكن السؤال لم يعد قانونيًا فقط، بل وجوديًا:
ما قيمة قانون لا يُطبّق عند أقصى درجات الانتهاك؟
ما معنى العدالة إن كانت تُقاس بميزان القوة لا بميزان الحق؟
إن استمرار الصمت أو الاكتفاء بالإدانة الشكلية لا يعني الحياد، بل يعني المشاركة في ترسيخ واقع بلا مساءلة.

من الألم إلى الوعي: حين تفشل القوة في كسر الروح
قد يبدو أن الهدف من كل ذلك هو كسر الإنسان.
لكن التاريخ يكتب رواية أخرى:
كل محاولة لإخضاع الإنسان عبر إذلاله، تحمل في داخلها بذرة عكسها.
لأن الألم، حين يُوثّق ويُفهم، يتحول إلى وعي.
والوعي، حين يتراكم، يصبح قوة لا تُقهر.

خاتمة: الشهادة كسلاح
هذه ليست مجرد شهادة، بل سلاح أخلاقي.
ليست سردًا للألم، بل فضحًا لمنظومة.
وإن كان هناك من يظن أن التعذيب يُخضع الشعوب، فهو يخطئ في قراءة التاريخ.
لأن الشعوب قد تنحني تحت الألم، لكنها لا تنكسر حين تمتلك الذاكرة.
هنا، يصبح التوثيق فعل مقاومة.
والكلمة، حين تُكتب بصدق، تتحول إلى أثر لا يُمحى.
وفي زمن يُراد فيه دفن الحقيقة تحت ركام الصمت،
تبقى كل شهادة حيّة…
دليلًا، واتهامًا، وبدايةً لحسابٍ آتٍ.