بين أبوّة إيران لوقف إطلاق النار في لبنان تأكيداً على وحدة الساحات والجبهات، وإصرار السلطة اللبنانيّة على أن وقف النار هو فك اشتباك بين جبهة لبنان وجبهة إيران، وهو إنجاز حققته السلطة عبر الذهاب إلى التفاوض المباشر مع كيان الاحتلال، لا بدّ من وجود قطبة مخفيّة تسمح بفهم بعيد عن الرغبات. هنا يظهر الوقت والتوقيت كعامل خفي لتفسير المشهد، عبر طرح التساؤل لماذا الآن، ولماذا الأيام العشرة ومن أين جاءت؟ وهل هناك ما يفسرها في مضمون الإعلان عن التفاوض المباشر المحدد في البيان المشترك الأميركي الإسرائيلي اللبناني بالسعي لاتفاق سلام؟
مرّ أكثر من شهر على دعوة رئيس الجمهورية اللبنانية للتفاوض المباشر شرط وقف إطلاق النار، ومرّت الأيام والأسابيع ولم يصدر مجرد تعليق أميركي أو إسرائيلي على الدعوة التي لقيت التجاهل التام والمستغرَب رغم صدورها عن رئيس الجمهورية وتضمّنها ما يفترض عرضاً مغرياً طالما سعت إليه “إسرائيل”، وشجّعت عليه أميركا وهو التفاوض المباشر، وكان التفسير الرائج أميركياً وإسرائيلياً أن لدى “إسرائيل” جدول أعمال لم يكتمل بعد وهو توسيع المنطقة العازلة إلى أبعد مدى ممكن ضمن خطة السعي للوصول إلى نهر الليطاني، ووقف إطلاق النار يشكل إضعافاً لهذه الخطة، والتفاوض المباشر في ظل حجم ما ظهر من قوة حزب الله وعجز السلطة عن نزع سلاحه ليس إلا إنجازاً إعلامياً لن يقدّم أو يؤخّر في موازين القوى وسياق الأحداث.
التوقيت هنا هو القطبة المخفيّة، حيث استفاقت أميركا و”إسرائيل” على أن هناك في مكان دعوة رئاسيّة لبنانية للتفاوض المباشر إذا تمّ وقف النار، فتمّ استخدام الدعوة لمطالبة السلطة اللبنانيّة بدفع فاتورة حدث مستحقّ بدونها وهو وقف النار. والواضح من التوقيت أن وقف النار جاء بعد وقف جزئيّ سبقه والسياق واحد وهو الجلوس إلى مائدة التفاوض مع إيران، التي تشترط وقف النار في جبهة لبنان للدخول في المفاوضات والذهاب إلى صيغة لحلحلة الوضع في مضيق هرمز، وأميركا عندما تضطر لدفع ثمن تمدّ يدها لجيب حليفها وهو هنا “إسرائيل”، وهذا ما فعلت، وتعوّض للحليف الأقوى الثمن من جيب الحليف الأضعف وهو لبنان، عبر التفاوض المباشر كجائزة ترضية لـ”إسرائيل”.
الوقت مع التوقيت هو القطبة المخفيّة، وتكشفه مهلة الأيام العشرة، وفي تاريخ اتفاقات وقف النار بين “إسرائيل” ولبنان مهلة الستين يوماً فمن أين جاءت العشرة أيام، وكانت مهلة الستين يوماً في اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 مخصّصة لإتمام الانسحاب وتثبيت وقف النار، أي لتنفيذ اتفاق قائم وليس للتوصل إلى اتفاق جديد؟ فكيف إذا كان اتفاق سلام كما ورد في الخطاب الأميركي والإسرائيلي، ما يعني أن مدة الأيام العشرة جاءت من مكان آخر لا علاقة له ببيان الأهداف والموضوع، فمن أين جاءت؟
الموضوع المحدّد للهدنة هو التوصل إلى اتفاق سلام، كما يقول الأميركي والإسرائيلي، ومعلوم أن اتفاقاً سابقاً بين لبنان و”إسرائيل” في ظروف مشابهة عام 1983 استهلك سبعة شهور من تشرين الثاني عام 1982 إلى أيار 1983، ولم يكن هناك بعد مقاومة بحجم وقوة ما هي عليه المقاومة اليوم، ولا كان التداخل القائم اليوم مع حرب أميركية إيرانية بحجم ما نشهد؛ أما في مفاوضات مشابهة كاتفاق كامب ديفيد أو اتفاق وادي عربة أو اتفاقات أوسلو، فقد استهلك تحضير اتفاق السلام بين مصر و”إسرائيل” قرابة سنتين منذ زيارة السادات إلى القدس عام 1977 إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد عام 1979، بينما استهلكت كل من مفاوضات وادي عربة وأوسلو قرابة تسعة شهور، وكلها في ظروف ميسّرة قياساً بلبنان، بقياس التوافق السياسيّ اللازم للسير بالتفاوض نحو اتفاق سلام، فهل يُعقل أن المدة اللازمة للتوصل إلى هذا الاتفاق هي عشرة أيام؟
بالمقابل يسهل علينا اكتشاف أن للأيام العشرة صلة مباشرة بالهدنة الأميركية الإيرانية التي تنتهي مهلتها الأولى بعد ثلاثة أيام ويُنتظر تمديدها سبعة أيام، وهي مهلة التفاوض المرتقب في إسلام آباد. وبالرغم من إنكار الصلة بين مفاوضات أميركا وإيران من جهة ومفاوضات وقف النار في لبنان من جهة أخرى، يبدو الربط منطقياً، سواء من حيث التوقيت، أو من حيث المهلة المطابقة أو لجهة ما ظهر من إعلان إيران عن فتح مضيق هرمز ربطاً بتثبيت وقف النار في لبنان تلبية لشرط وضعته إيران للقيام بفتح المضيق. وهكذا يتأكد الربط بحيث إذا فشل التفاوض الأميركي الإيراني وسقطت الهدنة الأميركية الإيرانية تسقط الهدنة اللبنانية الإسرائيلية.
ناصر قنديل
